ليست زائدة ولا مؤكدة، حتى قولهم: إذا قلتَ: ما جاءني من رجل، فقد نفيت جنس الرجال، وإذا قلتَ: ما جاءني من أحد، أو من ديَّار، فقد أكَّدت فحسب؛ لأنَّ أحدًا وديَّارًا تفيد كل منهما استغراق الجنس من دون (مِن) وليس الأمر كما ادعوا؛ لأنَّك إذا قلت: ما جاءني من رجل، فقد نفيت جنس الرجال، وإذا قلتَ: ما جاءني من أحد أو من ديَّار، فقد نفيت جنس الرجال والنساء؛ لأنَّ أحدًا وديَّارًا يطلق على الجنسين، فبما أنَّ (مِن) جيء بها لمعنى فلا يصح عدها زائدة وهذا ما نبَّه عليه المبرد بقوله: (( وأمَّا قولهم: إنَّها تكون زائدة فلستُ أرى هذا كما قالوا، وذاك أنَّ كل كلمة إذا وقعت وقع معها معنى، فإنَّما حدثت لذلك المعنى، وليست بزائدة، فذلك قولهم: ما جاءني من أحد، ما رأيتُ من رجل، فذكروا أنَّها زائدة، وأنَّ المعنى: ما رأيتُ رجلًا، وما جاءني أحد، وليس كما قالوا؛ وذلك لأنَّها إذا لم تدخل جاز أن يقع النفي بواحد دون سائر جنسه، تقول: ما جاءني رجل، ما جاءني عبد الله، إنَّما نفيت مجيء واحد، وإذا قلتَ: ما جاءني من رجل، فقد نفيت الجنس، ألا ترى أنَّك إذا قلتَ: ما جاءني من عبد الله، لم يجز؛ لأنَّ عبد الله معرفة، فإنَّما موضعه موضع واحد ) ) [1]
والحقيقة أنَّ (مِن) في جميع الأمثلة والشواهد القرآنية التي تقدم ذكرها في باب الزيادة ليست زائدة إنَّما هي للابتداء، أمَّا دلالتها على استغراق الجنس فلم يجئ من مدلولها، بل هو متأتٍّ من دخولها على اسم جنس نكرة؛ لذا أصبح المراد مثلًا مما دخلت عليه (مِن) في قوله تعالى: (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا) جنس الورق ابتداء من أول ورقة في هذا الجنس، ليكون المعنى: أنَّ أية ورقة كانت تسقط يعلمها الله، وكذلك أصبح المراد مما دخلتْ عليه (مِن) في قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) جنس الأولاد ابتداء من أول ولد في هذا الجنس، وجنس الآلهة ابتداء من أول إله في هذه الجنس، ليكون المعنى: أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يتخذ له أي ولد كان، وما كان معه أيُّ إله كان، وكذلك قوله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) معناه نفي جنس الخالقين ما عدا الله ابتداء من أول خالق في هذا الجنس، وكذا الباقي.
(1) المقتضب تحقيق هرون 1/ 44 وتحقيق بديع 1/ 86 - 87.