الصفحة 281 من 298

وجعل (مِن) الداخلة على اسم جنس نكرة للابتداء قال به النحاة في شواهد كثيرة من ذلك (مِن) الأولى في قوله تعالى: (لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ) {الاواقعة: 52} وقوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ) {النمل: 83} [1]

ولم يقل النحاة بزيادة (مِن) الجارة في المنفي بل قالوا بزيادتها أيضًا في المثبت، قال الأخفش: في (( باب زيادة(مِن) 000 وإن شئت جعلته على قولك: ما رأيتُ من أحد، تريد: ما رأيتُ أحدًا، وهل جاءك من رجل، تريد: هل جاءك رجل، فإن قلتَ: إنَّما يكون هذا في النفي والاستفهام، فقد جاء في غير ذلك، وقال تعالى: (وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ) {البقرة: 271} فهذا ليس باستفهام ولا نفي )) [2] وقال في تفسير الآية الرابعة من سورة المائدة: (( وقال تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) {المائدة: 4} فأدخل (مِن) كما أدخله في قوله: كان من حديث، وقد كان من مطر، وقوله تعالى: (وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ) )) [3] قال ابن يعيش: (( وقد أجاز الأخفش زيادتها في الواجب فيقول: جاءني من رجل، واحتج بقوله تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) والمراد: ما أمسكن عليكم، وبقوله تعالى: (وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ) والمعنى: سيئاتكم، يدل على ذلك قوله تعالى: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) {النساء: 31} والجواب عمَّا تعلق به، أمَّا قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) فـ (مِن) هنا غير زائدة، بل هي للتبعيض، أي: كلوا منه اللحم دون الفرث والدم، فإنَّه محرم عليكم، وأمَّا قوله تعالى: (وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ) فإنَّ (مِن) للتبعيض أيضًا؛ لأنَّ الله عز وجل وعَدَ على عمل ليس فيه التوبة ولا اجتناب الكبائر تكفير بعض السيئات، وعلى عمل فيه توبة واجتناب كبائر تمحيص جميع السيئات، يدل على ذلك قوله تعالى في الآية الأخرى: (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) {البقرة: 271} فجيء بـ (مِن) ههنا، وفي قوله تعالى: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ

(1) ينظر: مغني اللبيب 1/ 327.

(2) معاني القرآن ص 79 - 80.

(3) معاني القرآن ص 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت