الصفحة 31 من 298

الله ويعبدون معه آلهة، فاعتزل الفتية عبادة الآلهة، ولم يعتزلوا عبادة الله )) [1] والمعنى: أنَّ يمليخا خاطب أصحابه بعد أن اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله، أنَّ هذا الاعتزال بما أنَّه قد حصل وأصبح أمرًا ما ضيًا وواقعًا فأووا إلى الكهف، ولو استعمل (إذا) وقال: وإذا اعتزلتموهم فأووا، لدلَّ الشرط على الاستقبال، وأنَّه لم يقع بعد ولكان يمليخا قد خاطبهم بذلك قبل أن يعتزلوا، فبان الآن الفرق بين (إذ) و (إذا) في باب الشرط، والحمد لله على منِّه وفضله، وعلى هذا الأساس يفسر استعمال (إذ) من دون (إذا) فيما كان على نحو ما تقدَّم كقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) {النساء: 64} إذا جعلنا (إذ) هنا شرطية وجوابها (جَآؤُوكَ) لأفاد وقوع الظلم فيما مضى من الزمان، وأنَّه لا يمكن بعد ذلك تداركه؛ لأنّه لا يمكن إرجاع ما مضى، إلاَّ أنَّه كان يمكن تداركه لو أنَّهم جاؤوك بعد أن ظلموا أنفسهم فاستغفروا اللهَ واستغفرتَ لهم، ولو استعمل (إذا) وقال: ولو أنَّهم إذا ظلموا أنفسهم جاؤوك لأفاد الشرط معنى الاستقبال وعدم وقوعه بعد، وكذلك جوابها، وهي تختلف عن (إذا) التي وردت لما مضى، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) {يونس: 90} فالآية باستعمال (إذا) أفادت وقوع شرطها وجوابها فيما مضى، أمَّا (إذ) فعند استعمالها تدل على أنَّ ما أضيفت إليه وهو الشرط قد تم وقوعه؛ لأنَّها لما مضى، وليس كذلك جوابها، وهذا هو حال الشواهد التي مرَّ ذكرها، فقوله تعالى: (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) يفيد أنَّ الشرط قد مضى ووقع، وعدُّهم عند الله من الكاذبين سيكون جزاءهم الآن وفي المستقبل، وكذلك قوله تعالى: (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) يدل على أنَّ الشرط قد مضى، وبما أنَّ الشرط قد حصل فقد أمرهم الله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله، والأمر يدل على الاستقبال، ولوجود هذا الفرق بينهما فقد لاءم مجيء (إذا) من دون (إذ) بعد (حتى) ، ولاءم مجيء (إذ) من دون (إذا) بعد لولا.

(1) زاد المسير 5/ 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت