الصفحة 47 من 298

وقد أبطل الجرجاني جعل (إلاَّ) بمعنى (غير) جاء في البرهان نفسه (( قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني: هذا توهم منه، وخاطر خطر من غير أصل، ويلزم عليه أن تكون(إلاَّ) في قوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ) {الشعراء: 77} وقوله تعالى: (ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ) {الإسراء: 67} استثناء وبمنزلة (غير) وذلك لا يقوله أحد؛ لأنَّ (إلاَّ) إذا كانت صفة كان إعراب الاسم الواقع بعدها إعراب الموصوف بها، وكان تابعًا له في الرفع والنصب والجر، قال: والاسم بعد (إلاَّ) في الآيتين منصوب كما ترى، وليس فبل (إلاَّ) في واحد منهما منصوب )) [1]

فـ (إلاَّ) لم ترد بمعنى (غير) إلاَّ أنَّها وقعت مثلها صفة، ومع ذلك فالفرق بينهما قائم حتى في مجال الوصف، وهذا ما صرَّح به المرادي فقال: (( اعلم أن أصل(إلاَّ) أن تكون استثناء، وأصل (غير) أن تكون صفة، وقد تُحمَل (إلاَّ) على (غير) فيوصف بها، كما حُملت (غير) على (إلاَّ) فاستثني بها، وللموصوف بـ (إلاَّ) شرطان أحدهما: أن يكون جمعًا أو شبهه، والآخر أن يكون نكرة أو مُعرَّفًا بال الجنسية كقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) فإن قلت: كيف يوصف بـ (إلاَّ) وهي حرف؟ التحقيق أنَّ الوصف إنَّما هو بها وبتاليها لا بها وحدها وهي حرف؛ ولذلك ظهر الإعراب في تاليها ومن قال: إنَّ (إلاَّ) يوصف بها فقد تجوَّز في العبارة، وإنَّما صح أن يوصف بها وبتاليها؛ لأنَّ مجموعهما يؤدي معنى الوصف وهو المغايرة، واعلم أنَّ (إلاَّ) التي يوصف بها تفارق (غير) من وجهين: أحدهما أنَّ موصوفها لا يُحذَف وتقام هي مقامه، فلا يقال: جاءني إلاَّ زيد بخلاف غير، والآخر أنَّها لا يوصف بها إلاَّ حيث يصح الاستثناء، فلا يجوز: عندي درهم إلاَّ جيد، بخلاف غير )) [2]

(( وتتخرج الآية على ذلك إذ المعنى: لو كان فيهما آلهة لفسدتا، أي: أنَّ الفساد يترتب على تقدير تعدد الآلهة، وهذا هو المعنى المراد ) ) [3] فيكون معنى الآية: لو كان فيهما آلهة إلاَّ الإله الواحد الذي هو الله لفسدتا

(1) البرهان ص 827.

(2) الجنى الداني ص 518.

(3) مغني اللبيب 1/ 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت