وواو القسم، وواو العطف، وواو المعية، وهذه أوجه حقيقية، وقد أضيف إليها أوجه دخيلة من أوضح أمثلتها (( واو المدح، نحو، جاءني صاحبك وأيّ رجل ) ) [1] وهذا الوجه دخيل، لأنَّه ليس من معاني الواو، بل هو ما دل عليه الكلام الذي وردت فيه، والكلام الذي وردت فيه قد يدل على الذم، أو الاستهزاء، أو التعجب، أو التعظيم نحو: قول الشاعر:
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسِدادِ ثَغْرِ
فهذا يعني أن يُجعَل من أوجه الواو، واو المدح، وواو الذم، وواو الاستهزاء، وواو التعجب، وواو التعظيم، وجميع هذه الأوجه للواو لا تصح؛ لأنَّها ليست من أوجهها الحقيقية، بل اختِلَقَتْ لها عن طريق إسقاط دلالات السياقات المختلفة عليها.
هذه هي الحقيقة إلاَّ أنَّ النحاة متقدمين ومتأخرين ومحدثين لا يزالون بحجة السياق يختلقون للحرف معاني من حيث لا يشعرون، من ذلك مثلًا ما قيل في (إنَّ) قال الدكتور فاضل السامرائي: (( تأتي(إنَّ) لمعان عدة أشهرها: التوكيد 000 والربط 000 والتعليل، نحو قوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) {البقرة: 173} 000 فأنت ترى أنَّ (إنَّ) في هذه المواطن تفيد التعليل )) [2]
وهذا المعنى إن صح فهو ما يدل عليه السياق، وليس ما تدل عليه (إنَّ) ، فلو استندنا إلى السياق في هذه الآية، لجاز أن نجعل كل لفظ فيه يفيد معنى التعليل، لأجزنا هذا المعنى نفسه مثلًا لـ (لا) النافية للجنس، ولأجزناه للواو لو قيل: والله غفور رحيم، بل قد وردت الواو في مثل هذا السياق في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) {التحريم: 1} فقد جاز بالطريقة نفسها أن نجعل الواو هنا تفيد التعليل، كما أفادته (إنَّ) هناك، بل لجاز بنفس هذه الطريقة أن نجعل لكل حرف معاني لا حصر لها؛ لأنَّ معاني السياقات لا حصر لها، فكثير من وجوه الحروف ومعانيها في كتب الوجوه وفي كتب حروف المعاني اختلقتْ عن طريق جعل الحرف بمعاني السياقات التي ورد فيها، وهذه القضية أكَّد أبو حيان الأندلسي وقوعها من لدن النحاة
(1) الحروف لأبي الحسين المزني ص 112.
(2) معاني النحو 1/ 261 - 266.