كما حصل مثلًا لـ (ثُمَّ) حين جُعلت بمعنى الاستبعاد والتوبيخ فقال: (( وإنَّما التوبيخ أو الاستبعاد مفهوم من سياق الكلام لا من مدلول(ثُمَّ ) )) [1]
جعل حرف بمعنى حرف آخر: تميزت اللغة العربية بأن جُعل لكل حرف فيها دلالته، وأنَّه لا يجيء بدلالة حرف آخر في أي تركيب كان وفي أيِّ سياق كان، وهذه الحقيقة نلمسها بكل وضوح في كتاب الله، إلاَّ أنَّه قد يبدو بدلالة حرف آخر في مواضع عند ضعفاء اللغة كما قال الزجاج، أو في نظر من لا يمعن النظر في التعبير القرآني، وهذا ما نبَّه عليه أهل اللغة أنفسهم، جاء في البرهان في علوم القرآن للزركشي: (( كما في قوله تعالى:(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) {سبأ: 24} فاستعملت (على) في جانب الحق و (في) في جانب الباطل، لأنَّ صاحب الحق كأنَّه مستعلٍ يرقب نظره كيف شاء،
ظاهرة له الأشياء، وصاحب الباطل كأنَّه منغمس في ظلام لا يدري أين توجَّه، وكما في قوله تعالى: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ) {الكهف: 19} فعطف هذه الجمل الثلاثة بالفاء، ثم لمَّا انقطع نظام الترتيب عطف بالواو فقال تعالى: (وَلْيَتَلَطَّفْ) إذ لم يكن التلطف مترتبًا على الإتيان بالطعام، كما كان الإتيان مترتبًا على التوجه في طلبه، والتوجه في طلبه مترتبًا على قطع الجدال في المسألة عن مدة اللبث، بتسليم العلم له سبحانه، وكما في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) {التوبة: 60} فعدل عن اللام إلى (في) في الأربعة الأخيرة إيذانًا بأنَّهم أكثر استحقاقًا للتصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام، لأنَّ (في) للوعاء فنبَّه باستعمالها على أنَّهم أحقاء بأن يجعلوا مظنة لوضع الصدقات فيهم، كما يوضع الشيء في وعائه مستقرًّا فيه 000 وكما في قوله تعالى: (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي) {يوسف: 100} فإنَّه يقال: أحسن بي وإليَّ وهي مختلفة المعاني، وأليقها بيوسف عليه السلام (بي) لأنَّه إحسان درج فيه دون أن يقصد الغاية التي صار إليها، وكما في قوله تعالى: (وَلاصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) {طه: 71} ولم يقل (على) كما ظن بعضهم؛ لأنَّ (على) للاستعلاء، والمصلوب لا يُجعل على رؤوس النخل، وإنَّما يُصلَب في وسطها،
(1) البحر المحيط 4/ 93.