والدليل على ذلك قوله تعالى: (أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا) لأنَّ الإنسان لا يسأل نفسه أو يوجه الاستفهام إليه على الحقيقة، ولكن جاز ذلك لأنَّ الاستفهام مجازي، والمعنى أنَّهم قد اعترفوا وأيقنوا أنَّه لا ينفعهم لا الجزع، ولا الصبر، فكلاهما سيان، فيكون المراد من الاستفهام حمل أنفسهم على الإقرار بتساوي الأمرين؛ لتساوي جواب الاستفهامين عندهما.
وهذا هو المراد أيضًا من استفهام الهمزة و (أم) في قوله تعالى: (أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) هو حمل المخاطّب على الإقرار بتساوي الأمرين، لتساوي جواب الاستفهام فيهما.
وقد أجمع النحاة والمفسرون على أنَّ (أم) المتصلة بعد ألف التسوية لا تكون إلا التي يتقدمها لفظ (سواء) وما كان في معناها، وليس الأمر كما أجمعوا، فقد جاء قوله تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ {58} يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) {النحل: 58 - 59}
فلو كان الاستفهام حقيقيًّا لكان المراد من (أم) والهمزة التعيين والتقدير: أيهما يفعل الإمساك على هون أم الدس في التراب؟ ولاقتضى أن يكون الجواب: الإمساك، أو أن يكون الجواب: الدس، إلاَّ أنَّ الاستفهام مجازي، فما أريد أن يكون الجواب هذا أو ذاك، وإنَّما أريد حمله على الإقرار أو الإنكار، لكن ليس إقرار الأمرين؛ لأنَّه ما أراد فعلهما، ولا إنكار الأمرين؛ لأنَّه لم يرد أن لا يفعلهما، فقد وجد نفسه بين أمرين ضدين، لكنهما تساوياعنده؛ لأنَّه كره كلاًّ منهما الكره نفسه، جاء في التفسير: (( يتغيب ويختفي من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب حدوث البنت له(أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ) أي: لا يزال مترددًا بين الأمرين، وهو إمساك البنت التي بُشِّر بها أو دفنها في التراب )) [1] فلو لم يكن قد تساوى عنده الأمران، لما بقي مترددًا لا يدري ماذا يفعل؟ فقد أريد من الاستفهام حمل المعنيِّ من أهل الجاهلية على الإقرار بتساوي الأمرين عنده، لتساوي جواب الاستفهامين.
ومن ذلك قوله تعالى: (أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ) {سبأ: 8}
(1) فتح القدير 3/ 211.