فليس ثمة همزة تسوية، وإنَّما هي همزة استفهام، والتسوية معنى مختلَق أو معنى السياق، فالتسوية حاصلة في همزة الاستفهام، كما هي حاصلة في همزة التسوية، فلا داعي إذن للتفريق والقصل بينهما، وجعلِهما على نوعين.
والحقيقة أنَّ الهمزة في كلا النوعين استفهامية وتسوية؛ لأنَّهم إذا كانوا قد أجمعوا على أنَّ الهمزة هي همزة استفهام في مثال النوع الأول: أزيد في الدار أم عمرو؟ وجب عليهم أن يجمعوا على أنَّها باقية على استفهاميتها في مثال النوع الثاني: سواء علي َّ أزيد في الدار أم عمرو؟ لأنَّ المثال بقي لم يتغير، وكذلك يقال الكلام نفسه في بقية الأمثلة، والجدير بالذكر أنَّهم جعلوا الهمزة في النوعين بتقدير: أيَّهما، واتفقوا على أنَّ (أم) سُمِّيتْ في النوعين متصلة ومعادلة أو مساوية.
ولو صح أنَّ همزة النوع الثاني همزة تسوية وليست استفهامية، لجاز الاستغناء عنها، وعدم تقديرها إذا حذفتْ؛ لأنَّ معنى التسوية مفهوم من السياق ومن كلمة (سواء) وما رادفها: قال ابن جني: (( ومن ذلك قراءة:(أَنذَرْتَهُمْ) بهمزة واحدة من غير مد [1] قال أبو الفتح: هذا مما لا بدَّ فيه أن يكون تقديره: (أَأَنذَرْتَهُمْ) ثم حذف همزة الاستفهام تخفيفًا لكراهة الهمزتين )) [2] وتأمَّل كيف أنَّ ابن جني قال: (( ثمَّ حذف همزة الاستفهام ) )ولم يقل: ثمَّ حذف همزة التسوية، وقال العكبري: (( قرأ ابن محيصن بهمزة واحدة على لفظ الخبر، وهمزة الاستفهام مرادة، ولكن حذفوها تخفيفًا ) ) [3]
شواهد (أم) المتصلة القرآنية بعد ألف التسوية: استشهد النحاة كما تقدم لهمزة التسوية بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) {البقرة: 6} وقوله تعالى: (سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) {إبراهيم: 21}
لو كان الاستفهام في الآيتين حقيقيًّا لكان المراد من (أم) والهمزة التعيين، أي: أن يكون الجواب: نعم أنذرتهم، أو أن يكون الجواب: لا لم أنذرهم، إلاَّ أنَّ الاستفهام مجازي،
(1) وهذه قراءة شاذة وهي قراءة ابن محيصن.
(2) المحتسَب 1/ 129.
(3) التبيان في إعراب القرآن 1/ 25.