تقدم كلام سيبويه: (( هذا باب(أم) إذا كان الكلام بها بمنزلة (أيُّهما) و (أيُّهم) وذلك قولك: أزيد عندك أم عمرو؟ وأزيدًا لقيت أم بشرًا؟ فأنت الآن مدَّع أنَّ عنده أحدهما، لأنَّك إذا قلت: أيُّهما عندك؟ وأيُّهما لقيت؟ فأنت مدَّع أنَّ المسؤول قد لقي أحدهما أو أنَّ عنده أحدهما، إلاَّ أنَّ علمك قد استوى فيهما لا تدري أيُّهما )) [1] فتأمَّل قوله الأخير (( إلاَّ أنَّ علمك قد استوى فيهما لا تدري أيُّهما ) )
وقال الأخفش: (( فأمَّا قوله تعالى:(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) فإنَّما دخله حرف الاستفهام، وليس باستفهام لذكره السواء، لأنَّه إذا قال في الاستفهام: أزيد عندك أم عمرو؟ وهو يسأل: أيُّهما عندك، فهما مستويان عليه، وليس واحد منهما أحق بالاستفهام من الآخر، فلما جاءت التسوية في قوله (أَأَنذَرْتَهُمْ) أشبه بذلك الاستفهام، إذ أشبهه في التسوية )) [2]
أكَّد الأخفش أنَّ همزة التسوية هي همزة الاستفهام نفسها الواردة في الوجه الأول، وتفيد مع (أم) معنى التسوية كما قال سيبويه، وقوله: (( فإنَّما دخله حرف الاستفهام، وليس باستفهام ) )يعني أنَّه استفهام مجازي، وهذه هي الحقيقة أنَّها لم ترد إلاَّ ضمن الاستفهام المجازي في اللغة وفي القرآن الكريم
وذكر الزجاج أنَّ الهمزة في كلا النوعين همزة استفهام، ومع ذلك فالكلام في كليهما خبر؛ لاشتمالهما كليهما على معنى التسوية، وبيَّن أنَّ هذه التسوية آلتها ألف الاستفهام و (أم) التي للاستفهام، فقال: (( فأمَّا دخول ألف الاستفهام ودخول(أم) التي للاستفهام والكلام خبر؛ فإنَّما وقع ذلك لمعنى التسوية، والتسوية آلتها ألف الاستفهام و (أم ) )) [3] ونحو هذا قال النحاس: (( والتقدير: سواء عليهم الإنذار وتركه، أي: سواء عليهم هذان، وجيء بالاستفهام من أجل التسوية ) ) [4]
(1) كتاب سيبويه 3/ 193.
(2) معاني القرآن ص 32.
(3) معاني القرآن ص 32.
(4) إعراب القرآن ص 19.