أنت فيما تقول أم لاعب مازح؟ ولم يطلب قومه منه أن يجيب عن هذا السؤال بتعيين أحد هذين الأمرين، ولو أرادوا ذلك لعلموا علم اليقين بأنَّه سيجيبهم بأنَّه جاد في قوله وليس بهازل، وهم لم يريدوا ذلك، لأنَّ سؤالهم له كان مجازيًّا وليس حقيقيًّا، وأرادوا من هذا الاستفهام المجازي حمله على الإقرار بأنَّه مازح في قوله وحمله أيضًا على إنكار أن يكون جادًّا فيما يقول؛ لأنَّهم كانوا يستبعدون أن يكونوا على ضلال وينكرون على إبراهيم عليه السلام قوله فيهم بأنَّهم كانوا هم وآباؤهم في ضلال مبين
الوجه الثاني: عاطفة متصلة معادلة لألف التسوية: وهي الواردة بعد همزة التسوية مجردة من معنى الاستفهام كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) {البقرة: 6} وقوله تعالى: (سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) {إبراهيم: 21} وهمزة التسوية هي التي يتقدمها لفظ (سواء) أو ما كان بمعناه، نحو: سواء عليَّ أبشرًا كلمتَ أم زيدًا، بمعنى: سواء علي أيُّهما كلمتَ، ونحو: ما أبالي أزيدًا لقيت أم عمرًا، كما تقول: ما أبالي أيَّهما لقيتَ، ومثل ذلك: ليت شعري أزيد ثمَّ عمرو، وما أدري أزيد ثّمَّ عمرو: والتقدير: ليت شعري أيُّهما ثَمَّ، وما أدري أيُّهما ثَمَّ وكذلك: سواء علي أبشرًا كلمت أم زيدًا، تقديره: سواء عليَّ أيُهما كلمتَ، فأنت ترى أنَّ النحاة ساووا بين نوعي (أم) المتصلة، عندما جعلوا النوعين بتقدير: أيُّهما، وأيُّهم، إلاَّ أنَّهم على الرغم من ذلك فرقوا بينهما بأنَّ همزة الأول استفهامية وهمزة الثانية ليست استفهامية، بل هي همزة تسوية مجردة من معنى الاستفهام [1] .
فالدليل الأول على أنَّهما (أم) واحدة أنَّ النحاة كما تقدم ساووا بينهما في التقدير المذكور، والدليل الثاني أنَّ معنى التسوية لم يكن متأتِّيًا إليها من لفظ (سواء) وما كان بمعناه، بل هذا المعنى موجود فيها في الأصل، وقبل دخول ألفاظ التسوية عليها، فقد
(1) ينظر: كتاب سيبويه 3/ 193 - 194 والمقتضب 2/ 233، 240 ومعاني الحروف للرماني ص 45 - 46 وشرح كتاب سيبويه 3/ 409 - 410 والأزهية في علم الحروف ص 131 - 132 وشرح المفصل لابن يعيش 5/ 16 - 17 وشرح التسهيل لابن مالك 3/ 247 - 248 وشرح كافية ابن الحاجب 4/ 431 ورصف المباني ص 178 - 179 والجنى الداني ص 204 - 205 ومغني اللبيب 1/ 41 والبرهان في علوم القرآن ص 799 والإتقان في علوم القرآن ص 233 والزيادة والإحسان في علوم القرآن 8/ 46 - 47.