كما عملت إدارة الرئيس کلينتون إلى إعادة تعريف المصالح القومية بوصفها خطوة أولى ضرورية نحو إعادة صياغة الإستراتيجية الأمريكية، إلا أن الواضح من ذلك أن الأمر كان عبارة عن بحث عن وسائل وأساليب انجح لتحقيق المصالح أكثر منه بحثا عن المصلحة ذاتها. وأدخلت الإدارة تغييرات مهمة في تعاملها مع دول الشمال المتقدمة، فإنها لم تقم بإدخال تغيير مقابل في سياستها تجاه بلدان عالم الجنوب باستثناء أفريقيا التي اتجهت إلى إقامة شراكة معها، وكان تركيز الإدارة على إطالة واستثمار وضع الأحادية القطبية بالمعنى الإستراتيجي، إلى أقصى درجة ممكنة لتعظيم المصالح الأمريكية (1)
وقد عبرت وثيقة توجيهات التخطيط الدفاعي لسنوات 1995 - 1999 (DPG) ، الصادرة عن وزارة الدفاع، عن أن الإستراتيجية الأمريكية ستركز على منع ظهور أي منافس للولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد العالمي، وأن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تظهر القدرات القيادية اللازمة، وأن تحمي نظام جديدة كفيلا بإقناع المنافسين المحتملين بأنهم ليسوا بحاجة إلى التطلع إلى دور أكبر أو إلى إتباع سياسة أكثر عدوانية لحماية مصالحهم المشروعة، والمهم في هذه الوثيقة هو استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في دورها العالمي. (2)
لذلك اتجهت المؤسسات الأمريكية إلى البحث عن أهداف جديدة لتبرير استمرار الدور الأمريكي في الشؤون الدولية بصورة توازي دورها أثناء الحرب الباردة. وقد لخصت لجنة المصالح القومية الأمريكية المشكلة من الإدارة الأمريكية عام 1996 (كما يوردها هانتنغتون) الوضع الإستراتيجي الأمريكي بالآتي:"بعد أربعة عقود من التفكير الأحادي الاتجاه لاحتواء التوسع السوفيتي شهدت سنوات من العمل الارتجالي، وإذا ما استمر الأمر على هذا النحو، فإن قيمنا وثرواتنا بل وحتى حياتنا ستكون في خطر، وإن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية القومية الحيوية تتحدد بمنع أي هجوم على الولايات المتحدة الأمريكية بأسلحة الدمار الشامل، ومنع ظهور قوي معادية في أوروبا أو أسيا، أو أي قوة معادية للولايات المتحدة الأمريكية، ومنع انهيار الأنظمة العالمية للتجارة وأسواق المال ومصادر الطاقة والبيئة، وأخيرا ضمان سلامة حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، إن الإطار الإستراتيجي الذي بلورته قيادات مدنية"