بعد غزو العراق للكويت تفجرت الأوضاع في منطقة الخليج العربي بعد أن تحولت الأزمة من أزمة إقليمية بين دولتين متجاورتين في منطقة من أشد مناطق العالم حساسية، إلى أزمة كان أحد طرفيها قوة دولية عظمى هي الولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك اعتبر حسب المنظور الأمريكي، امتحانا مهما للاستراتيجية الغربية والأمريكية ليس بسبب ما تتمتع به المنطقة من أهمية اقتصادية كونها مصدرا مهما من مصادر النفط، بل لأنها تعد منطقة المستقبل في صراعها مع القوى الدولية الجديدة، وتأسيسا على ذلك قررت الإدارة الأمريكية منذ بداية الأزمة الجديدة، تحجيم قوة العراق عسكرية واقتصادية، بما يدعم مصداقيتها ومكانتها العالمية كقوة رائدة، وأن حجم التهديد الذي تمثله الأزمة على المصالح الغربية والدولية لا يقتصر على تلك المساحة التقليدية الخاصة بتأمين الدول الصناعية الغربية بالإمدادات النفطية في المنطقة وإنما تمثل تحديا ل"النظام الدولي الجديد"بمفهومه الأمريكي (1) ، فضلا عن حرص الولايات المتحدة الأمريكية منذ البدء على أن تؤدي دورة أساسية في تكوين حلف دولي مناهض للعراق غير مسبوق في مستوى التنسيق السياسي والعسكري، ويعتمد على تعاون وثيق بين القوتين العظميين، هو الأول من نوعه في إدارة الأزمات الإقليمية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، كما اتخذت الإدارة الأمريكية منظمة الأمم المتحدة واجهة وغطاء دولي لاستصدار قرارات تضفي قدرا من الشرعية الدولية على تحركاتها السياسية والعسكرية، فقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية تطويع الأمم المتحدة، من أجل تحقيق أهدافها وغاياتها وهذا ما عبر عنه وبوضوح الرئيس الأمريكي الأسبق (بيل کلينتون) في أحد رسائله للكونجرس، حيث قال: (إن علينا أن نطوع الأمم المتحدة لدعم سياستنا لكي تكون مسئولة عنها برغم أن من غير المقبول تماما فكرة وضع الولايات المتحدة الأمريكية جنودها تحت قيادة الأمم المتحدة لتمنح الأمن الجماعي فرصة العمل(2)
ووجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها مسئولة عن السيطرة على تفاعلات النظام الدولي بغير معقب عليها من قوى أخرى منافسة لها أو شريكة معها، فوجدت هيمنتها عبر
(1) أنظر: د. محمد مظفر:"الطريق إلى حرب الخليج - دوافع ومقدمات حرب أمريكا ضد العراق"،
الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 1997 م، ص 61 - 62