فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 236

بيد أن الولايات المتحدة الأمريكية تدخلت في إدارة الأزمة في كوسوفا منذ البدء للأسباب

التالية:

1 -اقتناع الإدارة الأمريكية بخطورة ما يجري في البلقان على أمن أوروبا إذا ما خرج هذا الصراع عن نطاق السيطرة، لاسيما وأن الولايات المتحدة الأمريكية اشتركت واضطرت لدخول الحربين العالميتين الأولى، والثانية بسبب أوروبا لذا كانت مقتنعة أن التدخل في مرحلة مبكرة أفضل وأقل تكلفة من التدخل المتأخر.

2 -بسبب التداخل الحاصل بين مكونات القوة الطاغية التي تمتلكها مع نزعة الغرور والعجرفة التي مارستها مع الجميع، الأمر الذي أقنعها أن تتقمص الدور الحاسم في إنهاء أي صراع يهددها وحلفاءها، أي أن الدافع الذاتي كان طاغية وواضحا دون لبس.

3 -أن منطقة البلقان هي منطقة فراغ استراتيجي قد يغري قوة معينة (مثل روسيا) على التطلع لسد الفراغ والانطلاق منه لإعادة بناء النفوذ الروسي في المنطقة مما يعد مصدر تهديد لمكانة الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك سعت منذ اللحظة

الأولى إلى تحقيق هدفين:

أ- فرض تسوية تكبح جماح القومية الصربية، وتحول في الوقت نفسه دون قيام دولة إسلامية مستقلة في كوسوفا، أو انضمام هذا الإقليم إلى ألبانيا.

ب- استكمال مد النفوذ الأمريكي إلى حدود الدولة الروسية ذاتها من خلال قلع كل مؤثرات التعويق التي تقف في وجه هذا التحد حتى تصبح تطورات الوضع الداخلي في روسيا تحت المراقبة المباشرة والسيطرة (1)

في هذا السياق يمكن القول أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتدخل في كوسوفا الاعتبارات إنسانية كما يبدو ظاهرية، أو لإنقاذ المسلمين من عمليات التطهر العرقي وحرب الإبادة الجماعية التي فرضت عليهم من قبل الصرب، فالعلاقات الدولية لم تعرف حالة تدخل واحدة استخدمت فيها الوسائل العسكرية، بهذا الحجم المكثف لأسباب إنسانية بحتة إلا إذا توافقت الأبعاد الإنسانية مع مصالح سياسية أو استراتيجية، واقتصادية أخرى، وهذا هو حال التدخل الأوروبي ثم التدخل الأمريكي في أزمة كوسوفا، فأزمة كوسوفا ليست أزمة سياسية منفصلة وقائمة بذاتها وإنما هي حلقة في سلسلة من الأزمات

(1) كامل إبراهيم: كوسوفو ... إلى أين؟، مجلة الوطن العربي، العدد 125، باريس، 1998، ص 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت