أقسم اللّه تبارك وتعالى بأشياء كثيرة من مخلوقاته «فللخالق سبحانه أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته، أما المخلوق فلا يجوز له القسم والحلف إلا باللّه تعالى وأسمائه وصفاته والأدلة على ذلك كثيرة منها: قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت» . رواه البخاري-الفتح 11 (6646) . ومسلم برقم (3/ 1646) . قال الحافظ ابن حجر-رحمه اللّه-: قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير اللّه أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي للّه وحده-الدّالّة على كماله وعظمته ليؤكّد المعنى في نفوس المخاطبين، فأقسم تعالى بالشّمس والقمر والفجر والسّماء وغير ذلك. انظر الفتح (11/ 540) . بتصرف»
بينما نجده سبحانه وتعالى لم يقسم بحياة أحد من البشر إلّا بحياة الرّسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم قال ابن عبّاس-رضي اللّه عنهما-: «ما خلق اللّه وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وما سمعت اللّه أقسم بحياة أحد غيره، قال اللّه تعالى (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) «سورة الحجر: الآية (72) .» .
وهذا تكريم لنبينا صلى الله عليه وسلم وتمييز له دون غيره فربنا جل في علاه لم يقسم بحياة نبي قط وهم أشرف الخلق على الإطلاق إلا بحياة رسولنا صلى الله عليه وسلم -بأبي هو وأمي-حيث يقول الله جل في علاه: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر: 72] . يقول: وحياتك وعمرك وبقائك في الدّنيا «رواه ابن جرير (14/ 30) . وانظر تفسير ابن كثير (2/ 575) .» .
وقال العزّ بن عبد السّلام- رحمه اللّه-: «ومن خصائصه أنّ اللّه تعالى أقسم بحياته صلّى اللّه عليه وسلّم. فقال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ.
والإقسام بحياة المقسم بحياته يدلّ على شرف حياته وعزّتها عند المقسم بها، وأنّ حياته صلّى اللّه عليه وسلّم لجديرة أن يقسم بها لما فيها من البركة العامّة والخاصّة، ولم يثبت هذا لغيره صلّى اللّه عليه وسلّم «بداية السول: (ص 37) .» .
ومنها: أن الله تعالى رفع له ذكره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لقد رفع الله ذكر نبيه في العالمين إلى قيام الساعة: فإذا ذكر اسم الله ذكر معه اسم نبيه صلى الله عليه وسلم؛ وقرن اسمه باسمه إلى قيام الساعة؛ فلا يقول قائل لا إله إلا الله إلا ويقول محمد رسول الله؛ قال تعالى [وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ] ، رَفَعَ ذِكْرَهُ فَجَعَلْ اسْمَه مَقْرُونًا بِاسْمِ اللهِ كُلَّمَا تَحَرَّكَتْ بِهِ الشِّفَاهُ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» ، وَلَيْسَ بَعْدَ هَذَا رَفْعٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ هَذَا مَنْزِلَةٌ، وَهُوَ المَقَامُ تَفَرَّدَ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ سَائِرِ العَالَمِينَ ..