بل يُنظر فيها إلى مطلق سماعه ممن فوقه، فإن ثبت سماعه منه بالجملة فمتصل، وإنْ لم يصرح بالسماع.
وعلى هذا تحمل مرويات الحسن البصري، وابن أبي عروبة، وقتادة، وأبي إسحاق السَّبِيعِيّ، وابن جريج، والوليد بن مسلم [1] .
فالأصل في روايات هؤلاء عمن رووا عنهم الاتصال وإن رويت بالعنعنة، حتى يثبت أنهم لم يسمعوا منه أصلًا.
ولهذا فالنظر منصرف إلى كتب المراسيل، في البحث عن أحوال مروياتهم، لا إلى كتب التدليس.
هذا والعنعنة عند المتقدمين في الأصل من تصرف الرواة الذين هم دون الراوي الذي جاءت أداة العنعنة (عن) بعده، وأما المتأخرون فلا تتجاوز كونها من صنيع الراوي نفسه.
قال الحاكم: قرأت بخط محمد بن يحيى، سألت أبا الوليد: أكان شعبة يفرق بين أخبرني وعن؟ فقال: أدركت العلماء وهم لا يفرقون بينهما. اهـ. «شرح العلل» (1/ 364) .
بل منهم من كان يتساهل في التحديث، فلا بد للباحث من التمعن وعدم الأخذ بالظاهر.
فقد ذكر الإسماعيلي عن الشاميين والمصريين أنهم يتساهلون في التحديث. «فتح الباري» لابن رجب (3/ 54) .
وقال ابن رجب رحمه الله: وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد، ويقول: هو خطأ - يعني: ذكر السماع - ثم ذكر لذلك أمثلة، وقال: وحينئذ فينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد. «شرح العلل» (1/ 369) .
قلت: فانظر بعد هذا فقد ذكرت لك سبعة ممن وصفوا بكثرة التدليس عند المتأخرين كالعلائي وابن حجر وسبط ابن العجمي، واعتمدهم من بعدهم من غير تفتيش ولا تحرٍّ - وهؤلاء السبعة ممن أكثروا من المرويات، فهل مثل هؤلاء يرد حديثهم لمجرد وصف خاطئ وُصفوا به، بناء على فهم سقيم، وبناء على عنعنة وقعت ممن دونهم لا منهم.
وبالجملة: فالأئمة المتقدمون إذا قالوا: (فلان يدلس) فيريدون أحد أمرين:
(1) إلا في روايته عن الأوزاعي كما تقدم.