فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 244

إما أنه بمعنى الإرسال وهو الغالب، أو أنه بمعنى ندرة التدليس، وفق اصطلاح المتأخرين.

وكذلك في مسألة: تعارض الوصل والإرسال.

فالمتأخرون عادة إذا كان ظاهر الإسنادين المتصل والمرسل صحيحًا يرجحون المتصل، ولا يعتبرون الإسناد المرسل علة يرد بها الإسناد المتصل.

أما المتقدمون، فلا يحكمون على هذا بشيء مقدمًا، بل يدرسون الإسنادين، وينظرون القرائن المحتفة بهما، فيرجحون ما دلت القرينة على ترجيحه، وقد يَصِحُّحون كلا الإسنادين، لقرائن.

فمثلًا:

حديث يرويه بعض أصحاب الزهري عن الزهري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ويرويه بعض أصحاب الزهري عن الزهري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

فالمتقدمون ينظرون، إلى الرواة عن الزهري من حيث كثرتهم، ومن حيث تقديمهم في الحفظ، ومن حيث تقديمهم في ملازمة الزهري، ومن حيث قربهم من الزهري. ثم يرجحون.

وقد يَصِحُّحون كلا الإسنادين فيقولون: إن الزهري كان مرة ينشط فيرويه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومرة يكون في حال مذاكرة أو فتيا، فيرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة لا يذكر أبا هريرة في السند.

أما المتأخرون، فلا يعتبرون هذا كله، فإذا كان كلا المُخْتَلِفَينِ في الزهري ثقات، قالوا: المتصل زيادة ثقة، وهي مقبولة.

فلا يلتفتون إلى منزلة الرواة عن الزهري، من هو الأحفظ! من هو الأوثق! من هو الأكثر ملازمة! من هو بلدي الزهري!. وغالبهم يعتبر المرسل صحيحًا كذلك، لكنه لا يؤثر في المتصل.

قال البقاعي: إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدِّثين بطريقة الأصوليين، فإن للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظرًا آخر لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه: وذلك أنهم لا يحكمون بحكم مطرد، وإنما يدورون في ذلك مع القرائن. انظر «النكت الوفية بما في شرح الألفية» (ص 99) .

ومن الأمثلة على صنيع المتأخرين في هذا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت