فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 133

تنبه فإن الغلط فيه هو المزلقة الكبرى والمزلة العظمى، التي استحلت بها دماء لا تحصى وانتهكت بها أعراض لا تعد، وتقاطعت فيها أرحام أمر الله بها أن توصل، عياذا بالله من المزالق والفتن. ولا سيما فتن الشبهات. فاعلم أنهم فسروا العبادة بالإتيان بأقصى غاية الخضوع، وأرادوا بذلك المعنى اللغوي، أما معناها الشرعي فهو أخص من هذا كما يظهر للمحقق الصبار على البحث من استقراء مواردها في الشرع، فإنه الإتيان بأقصى غاية الخضوع قلبا باعتقاد ربوبية المخضوع له، أو قالبا مع ذلك الاعتقاد ــ وأوفيه للتقسيم ــ فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعا في كثير ولا قليل مهما كان المأتى به ولو سجودا. ومثل اعتقاد الربوبية اعتقاد خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع والضر، وكنفوذ المشيئة لا محالة ولو بطريق الشفاعة لعابده عند الرب الذي هو أكبر من هذا المعبود. وإنما كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم ودعائهم إياهم وغيرهما من أنواع الخضوع لنحقق هذا القيد فيهم، وهو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، أو خاصة من خواصها كما سيأتيك تفصيله. ولا يصح أن يكون السجود لغير الله فضلا عما دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد عبادة شرعا، فانه حينئذ يكون كفرا، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع، ولا بأمر الله عز وجل به {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28] {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] وذلك ظاهر إن شاء الله. وها أنت ذا تسمع الله تعالى قد قال للملائكة: {اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34] وقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف: 12] . وقال: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} [الإسراء: 61] . والقول بأن آدم كان قبلة قول لا يرضاه التحقيق ويرفضه التدقيق في فهم الآيات كما ينبغي أن تفهم، فإن قصر فهمك عن هذا فهذا نبي الله يعقوب وامرأته وأولاده الأحد عشر قال الله فيهم {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100] أي ليوسف صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: (( أي سجد له أبواه وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلا، وقد كان هذا سائغا في شرائعهم إذا سلموا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت