وتقسرها عن تلاعب الأوهام بها قسرا، فان الآية قد جعلت حدوث الحادثات ــ والحادث ممكن كما أسلفنا ــ بلا موجد يكون واجب الموجود من الأباطيل التي بطلانها في حيز الظاهر المكشوف الذي ينكر على من قال به إنكارا. فان (أم) في الآية الكريمة بمعنى بل، وهمزة الاستفهام، وهو هنا إنكاري بمعنى النفي. ولله الحجة البالغة على خلقه، فان الناس يعلمون أنهم ما كانوا شيئا مذكورا، ثم كانوا ووجود المعدوم بلا سبب موجود محال بداهة وكون المعدوم أوجد نفسه أظهر في الاستحالة وأبعد في الامتناع، وواضح أن من لا يملك وجود نفسه لا يستطيع أن يعطي الوجود لسواه، عسى أن يكون قد بان لك إن شاء الله أن جميع الممكنات الموجودة سواء كانت ذوات أو صفات فقيرة كل الفقر في جميع أطوارها، وكل تقلباتها، إلى من تعالى وجوده عن الإمكان، وجلت صفاته عن النقصان.
ولا يستخفنك أولئك الذين تعبدتهم المادة وأضاعت ظلمات الشهوات أفهامهم، فانكروا الملك القدوس واجب الموجود. فليسوا من العلم الصحيح بهذه النظرية في كثير ولا قليل. فانهم أخذوا على أنفسهم أنهم لا يؤمنون إلا مما به يحسون. وقصروا لفظ العلم على ما يدرك بالحواس، فأنى لهم وهذا شأنهم أن يظفروا بمعرفة من تعالى عن الحواس، وتقدس عن مشابهة المادة والماديات التي انقطعوا إليها، وما عرفوا إلا قليلا من ظواهرها، على اتساع معاملهم، وكثرة أبحاثهم. رأوا الكائنات المادية تجري على نظم محكمة، وقواعد مضبوطة يعبرون عنها بالنواميس. حتى إنك لتسمعهم يقولون: إن الطبيعة لا تلقى شيئا جزافا، فاستدلوا بهذا النظام العجيب المدهش لاساطيل المفكرين على إنكار واضعه جل جلاله: ولو كان الجزاف سائدا في الكون لكان للمنكر شيء من الشبهة، أما وهم المعترفون بالنواميس ودقتها، والنظم وإحكامها في الكون كله. من أصغر شيء وأحقره، إلى أكبر شيء وأعظمه، فقد اندحرت كل شبهة، وقام أسطع البراهين لا على وجود الخالق فحسب، بل على كمال رحمته وحكمته