فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 133

وجوده بدون الممكن كان ممكنا بداهة، ومن أحكام الممكن أنه إذا وجد كان حادثا، أي موجودا بعد العدم، إذ لو لم يكن كذلك بل كان موجودا بلا ابتداء لوجوده لخرج عن دائرة الإمكان إلى الوجوب، كيف وقد فرضناه ممكنا، فكل ما تشخص وتعين من أفراد المادة فهو حادث بلا نزاع بين من يعتد به من كل من يحترم عقله، ويزن أفكاره بالميزان المنطقي الصحيح، وإذ قد بان لك أنك وما يدخل تحت حواسك منه ما هو ممكن بالبداهة وما هو ممكن بالنظر الصحيح، أمكنك أن تلمح نور وجود واجب الوجود جل علاه بالنظر الجلي، فان جميع الممكنات جملة وتفصيلا ليس وجودها من ذاتها، وإلا وجب لها الوجود، ولا من معدوم، فان المعدوم فاقد الوجود، وفاقد الشيء لا يعطيه بالضرورة، فلا بد أن يكون واهب الوجود لها موجودا سواها، والموجود الذي ليس ممكن إنما هو واجب الوجود، لا يشك في ذلك من أوتى حظا من الحكمة، ونال نصيبا من الفلسفة الصحيحة، ومن أجل ذلك قالت الرسل للأمم عليهم وعلى أتباعهم الصلاة والسلام (أفي الله شك فاطر السموات والأرض؟) وقال الخلاق العليم ينبه العقول إلى هذه القضية التي هي أوضح من الشمس، وهي أن ترجح وجود الممكن على عدمه بلا موجود واجب وجوده محال، قال تعالى {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36] فانظر إلى سياق القرآن هذا البرهان الساطع والدليل الناصع على هذا النظم العجيب، والأسلوب الآخذ بألباب أولى النهي، إلى جلية الحق، روى مسلم في صحيحه عن جبير بن مطعم أنه قد المدينة وهو مشرك فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور قال فأصغيت إلى قراءته حتى إذا بلغ قوله تعالى (أم خلقوا) الخ، قال رضي الله عنه: كاد قلبي أن يطير، وأدخل الله على الإسلام، وأي أسلوب أعجب من هذا؟ فقد سيق هذا البرهان لا على الطريقة التي تدع لنفس السامع مجالا في التردد، ولكن على السبيل التي تقهر النفس على قبول الحق قهرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت