الأولى، فإن الخطوة الثانية يتوقف وجودها على وجود الأولى، وليست شرطا ولا سببا في وجود الثانية، فإن وجودها لا يكون إلا بعد عدم الأولى (ومنها) ما هو سبب في الوجود ومفيض له ولا يصلح الممكن كائنا ما كان لهذا الفيض وتلك السببية، فإنه لذاته لا يقتضي الوجود بل إذا أفيض عليه فهو لا يملكه لنفسه، فكيف يفيده غيره، بل لا يصلح لهذه السببية إلا واجب الوجود العلى الأعلى، تقدس وتعالى، فكل الممكنات التي يتوقف عليها كائن من الكائنات، فهي من قبيل الشروط أو المعدات، وليست من سببية الوجود في شيء ألبتة. فأتقن يا رعاك الله هذا المقام حق إتقانه، ولا يصدنك عن الامعان فيه كما ينبغي، من لا يصبر على تحقيق الحق؛ فيجانب الهدى ويسير وراء الهوى، وأنت لو دققت النظر لعرفت أنه ما أوقع الماديين في هذه الهوة السحيقة، والمهلكة العميقة التي هي إنكار رب العالمين، إلا اعتقادهم السببية العقلية للوجود فيما ليس بسبب، وإنما هو شرط أو معد، فنسبوا الأمر إلى غير أهله، ومنعوه أهله؛ وهو الحق تبارك وتعالى الدائم الوجود وفياض الجود وتوابعه على كل موجود. ولتقرير هذه الحقيقة العليا جاء في التنزيل (كل شيء هالك إلا وجهه) فالشيء في هذه الآية هو الموجود، وكل موجود سواه سبحانه فهو مملوك غير مالك، ولا لوجوده حال اتصافه به. فهو من حيث ذاته هالك بالفعل. والكلية في الآية على هذا التقرير لا يستثنى منها إلا ما استثنت الآية، وهو الحق جلت ذاته، وتعالت صفاته، ولك أن تقول في الآية: إن الهالك بمعنى القابل للهلاك وإن لم يقع هلاكه بالفعل، فتكون الآية مقررة لنفي وجوب الوجود عن جميع الكائنات: ماضيها وحاضرها وآتها، ومثبتة لا مكانها، فإن ما وجب وجوده لا يقبل الزوال كما مر، ولا يقبل الهلاك إلا الممكن، وعلى هذا التقرير فعموم الآية على ما هو عليه فيها، لا يخص منه إلا الواحد الوهاب، وما بقي منها أبدا كالجنة والنار وأصحابهما، فإنما بقاؤه لإرادة الخالق ذلك، وليس لأنه لا يقبل الهلاك.