والكلام. في الآية الكريمة مسوق لإثبات وحدانيته في الألوهية على طريقة برهانية معجزة في إيجازها كعادة القرآن في شأنه كله، وبسط هذا المعنى الشريف أن يقال: كيف تدعون مع الله إلها آخر وتدعونه ــ أي تعبدونه ــ من دونه، والآله يجب له الكمال الأكمل، والكائنات كلها واقعة من النقص في الدرك الأسفل فما رأيتم هلاكه بالفعل فهو ظاهر النقصان، بديهي الإمكان، لا يحتاج في نفي الألوهية عنه إلى بيان، وكل ما تظنون دوامه وتتخيلون له عزة البقاء، فهو قابل للهلاك والفناء، فأين هو مما تدعون له؟ فهو بمعزل عن القدم، فإن الموجود الذي له القدم يستحيل عليه العدم فإنه لا يكون قديما إلا إذا كان واجب الوجود لذاته، وما للذات لا يزول، بل يمتنع زواله ويستحيل انتفاؤه، فإنه لازم من لوازم الماهية لذاتها وانتفاء لازم الماهية لذاتها يستلزم ألا تكون هذه الماهية هي نفسها، لأنها لو كانت هي نفسها لتبعها هذا اللازم، فلو صح انتفاؤه لصح أنها ليست هي إياها، وهذا معنى قولهم إن انتفاء لازم الماهية يؤدي إلى سلب الشيء عن نفسه، وكيف تسلب الذات عن ذاتها، هذا ما لا يعقل، ولهذا تسمعهم يقولون سلب الشيء عن نفسه محال بالبداهة، فكل شيء سواه هالك، والهالك لا يكون إلها، فلا إله إلا الله، فأحينا اللهم عليها وتوفنا عليها، واجعلها آخر صحائفنا بفضلك آمين ــ
وبعد فلا تحسبن أيها الطالب للحقائق أن هذا من الشعر أو الخطابة، وإنما هي الحقيقة ناصعة، والحكمة مبرهنة، فإن من الممكن ما هو موجود بالبداهة كما سبق غير مرة، ووجود الممكن يعلن وجود الواجب قطعا، ولا يهولنك ما يموه به أولئك القائلون على العلم كذبا وزورا، إنه هداهم إلى إن المادة وحركتها لا ابتداء لهما، وبهما كان هذا الوجود كله الجاري على أتم نظام وحكمة.
فأي علم هذا الذي يفترون عليه هذا الضلال المبين، أهو العلم التجربى الذي لا يعنون إلا إياه، ولا يدينون إلا له؟ فمتى شهدوا ذلك؟ وبأي تجربة وصلوا إلى هذا المعنى؟ وأين أعمارهم وأعمار الجاحدين من أسلافهم في جنب عمر الأرض