التي هم عليها، فضلا عن هذه المجموعات الشمسية، والعوالم السماوية، فما ظنك بهذه اللانهائية التي يدعونها للمادة؟ أليس هذا هو الافتراء بعينه على هذا العلم المستغيث من ظلم المنتسبين إليه؟ بلى والله، واسمع القرآن كيف يقول {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} [الكهف: 51] أم هو العلم الذي استنبطته العقول من البراهين القاطعة؟ فليت شعرى أي عقول هذه وقد اتفقت كملة الأنظار الصحيحة منذ نشأتها إلى كهولتها على أن ما لا زمه العدم كاجتماع النقيضين فهو ممتنع الوجود لذاته، وأن ما لا يلزمه لذاته وجود ولا عدم، لا يرجح وجوده على عدمه إلا واجب الوجود لذاته، ولم يكن ينكر واجب الوجود تعالى فيما غير من الأزمنة البعيدة، إلا أراد معدودة من المندسين بين أهل العلم، كانوا سخرية أممهم، وضحكة من يسمع بهم من أهل الطبع السليم، والنظر المنطقي القويم، أما الآن فقد كثر هذا الصنف من أشباه الناس، وحازوا لقب الفلاسفة والباحثين والعلماء والدكاترة والأستاذين، فاغتربهم من انخدع بالألقاب فكفر تقليدا كما كفر أولئك جهالة وعنادا {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50] {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] ــ وبعد ــ فالذي ينبغي أن يستقر عليه عقدك، ويحل المكان المكين من نفسك، هو أن المادة لا يلزمها لذاتها الا الإمكان لا وجود ولا عدم، ولا حركة ولا سكون، ولا بساطة ولا تركيب، وما يشاهد فيها من ذلك فليس هو لها من ذاتها؛ وإنما هو من فعل الذي أبدعها وأعطاها ما هي عليه من الصفات، جل وجوده وتعالى جوده، أعطا كل شيء خلقه ثم هدى، وليس عدم ومشاهد الشيء دليلا على عدمه، فضلا عن أن يجعل برهانا على امتناعه، وغاية ما يدعيه الباحث في المادة أنه لم يشاهد عدمها ولا سكون ما رآه منها بمنظاره، فليكن صادقا في هذه الدعوى، فأما أن يستدل بذلك على عدم جواز السكون أو العدم عليها فذلك ما لا يرضاه الانصاف، وما تلفظه الفلسفة الصحيحة، والبراهين القاطعة لفظ النواة، وما تكشف للباحثين من النواميس الكونية مما