هدت إليه التجارب ودلت عليه الاختبارات، فلا نزاع فيه للمؤمنين المحققين، وهم يقولون به لا كما يقول أولئك العميان من أنها الفاعلة لهذا الوجود، بل على أنها من قبيل المعدات والشروط العادية، ومنها ما يكون من قبيل الشروط العقلية وللفاعل الحقيقي للوجود وتوابعه، إنما هو الله وحده لا شريك له، واجب الوجود وفياض الجود، سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون به علوا كبيرا، بل حقق بعض متأخريهم أن المادة تنعدم، وأنه ثبت ذلك لديه بتجارب له أجراها، ونحن في غني عن تصحيح هذا الرأي، فان قوة البرهان على إمكان ما سوى الخلاق العليم تغنى الحكيم عن تجربة هذا المجرب
وربما تسامح بعض أهل العلم فسمى هذه النواميس أسبابا، ولا يعنى بها إلا ما بينا لك، وربما اغتر بعض المنسوبين إلى العلم بنسبة السببية إليها، فظن استحالة وجود الخوارق فأنكر كرامات الأولياء، وقد تجره العصبية لرأيه، أو الجهالة بمرتبة هذه النواميس، إلى محاولة إنكار كثير من معجزات الأنبياء عليهم جميعا وعلى آلهم الصلاة والسلام، ومن آثار هذه الغلطة ما اجترأ عليه بعض البارزين في أنظار العامة من أنه لا معجزة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا القرآن، وقد يؤمنون ببعض تلك الآيات وينكرون انشقاق القمر ونحوه، ويتأولون كتاب الله بما يرده العلم الصحيح لدى أهل التحقيق، ويأبأه النقل المستفيض عن الثقات، بل المتواتر تواترا معنويا عند المتبحرين في العلم بطرق الأحاديث الشريفة، والسيرة النبوية المنيفة، على صاحبها وآله أزكى الصلاة والبركات: وقد أغنى سبحانه (وله الحمد كما هو أهله) عباده المستبصرين فخرق هذه النواميس المعروفة مرارا لا تحصى، فأيد الأنبياء بالآيات، وذكر كثيرا منها في كتابه المجيد، ولا سيما خاتم النبيين الذي لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم، حتى قال الإمام أبو عبد الله الشافعي رضي الله عنه (ما أوتي نبي من الأنبياء آية إلا أوتي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثلها أو أكبر منها) فقيل له فأين مثل إحياء الموتى لعيسى عليه