الفعل عقب حصولها، ولذلك تسمعهم يقولون إنها أسباب عادية. قال المولى سعد الدين التفتازاني في مباحث العلة آخر المقصد الثاني من المقاصد له رضي الله عنه ما نصه (تنبيه) لما كان الموجد عندنا هو الله تعالى وحده كان معنى العلة من الممكنات ما جرت العادة بخلق الشيء عقيبه. وقد ظهر لك أيضا أن لله تعالى أن يخرق هذه العوائد متى شاء فلا يأتي بالمسببات عقب تلك الأسباب كتخلف الأحراق عن النار كما فعله مع خليله إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} [الأنبياء: 69، 70] أو يأتي بالمسببات بدون هذه الأسباب المعتادة، كما خلق عيسى من مريم من غير أن يمسها بشر، فإنه الفعال لما يريد، يخلق ما يشاء سبحانه، وقد سلف لك أيضا أن جريان العادة الإلهية على هذا النحو المتعارف إنما هو لحكم بالغة اقتضاها جوده جل شأنه، وقد سبقت الإشارة إلى بعضها، فينبغي أن تستفيد من كل هذا أمورا ــ الأول ــ دوام استفتاحك لجوده بالأخذ في الأسباب التي جرت عادته أن يعطيك بعدها مسبباتها مع اعتماد قلبك عليه لا عليها فإن ترك تلك الأسباب حماقة منك، والاعتماد عليها جهالة منك بالمعطى الحقيقي، ولهذا تسمعهم يقولون: الأخذ بالأسباب لا ينافى التوكل، قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله: أأعقل ناقتي أم أتوكل على الله؟ (( اعقلها وتوكل ) )وظاهر عليه الصلاة والسلام في أحد بين درعين، واعتقل الرمح، وتقلد السيف، وأخذ الزاد وأمر بأخذه في الأسفار صلى الله عليه وسلم، وبذلك جاء كتاب الله وشرعت صلاة الخوف ــ الثاني ــ أن لا تيأس من فضله إذا تعسرت عليك هذه الأسباب، وأن تقبل عليه بكل قلبك فله تعالى بالمتوكلين عليه العاكفين ببابه من الالطاف ما لا يحصيه كتاب، ولا يحصره حساب ــ الثالث ــ أن لا تندم إذا أخذت في الأسباب ولم يحصل ما أردت بل املأ قلبك بأن اختياره لك في المنع خير لك من اختيارك في العطاء. وكل أمر من هذه الأمور الثلاثة يحتاج تمام بيانه إلى مؤلف مستقل، لكنا في هذه