البشرية بمنزلة الأرواح للأجسام، ولهذا سماه الله نورا في قوله {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} [التغابن: 8] وصدق الله، فان هذا القرآن يخاطب منك عقلك ويستنهض فكرك، ولا يذكر الدعوى حتى يردفها بالبرهان الأعلى، وينوع الأدلة ويورد الحجج بالأساليب الرائعة، التي يخر المنطق الصحيح أمامها ساجدا إعظاما لشأنها، وإكبارا لأمرها، وسماه روحا في قوله سبحانه {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] فان به الحياة السعيدة لهذا المجمع البشرى كله ما أخذوا بآدابه وتمسكوا بأهدابه. وللخبير المنصف على ذلك أصدق الشواهد إذا كان مطلعا على حال الأمة الإسلامية أيام اقتدائها بكتابها وتمسكها بدينها، ومن عجيب عناية هذا الكتاب العزيز بتثقيف العقول بالبرهان عقب البرهان، وإخراج الناس من حيز العامة إلى مقام الخاصة بالأتيان بالدليل بعد الدليل، والسير في طريق البرهنة، من عجيب عنايته بذلك أنه لم يكتف بسوق البراهين فيما هو من باب الإلهيات والنبوات، والبعث بعد الموت، بل ساق الدليل فيما هو من باب الآداب. انظر إلى قوله {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ} [فصلت: 34] إلى قوله {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] وانظر إلى تعقيب ذلك بذكر دواء داء الغضب، وتحلية مر هذا الدواء بحلو وعده الصادق الجميل، حيث يقول {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] بل سلك طريق الاستدلال فيما أخبرهم به من كذب خلطائهم من أهل النفاق في الاعتذار حيث قال {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} [التوبة: 46] ومن المعجز المدهش في أسلوب هذا الكتاب لمن أنعم فيه مستبصرا أنه يسوق غوامض المعاني الإلهية وعوالي الصفات الربانية وسواطع الأدلة الحكمية على طريق لا يمكن للبليغ مهما علا في البلاغة كعبه أن يسلكها فانها أسلوب ينتفع به العامة والخاصة، يأخذ منه العامة قسطا من العلم لا بأس به، ولا يشوش عليهم مداركهم. وينال منه الخاصة لب الحكمة، وخالص المعن العلى، وكذلك دأبه في علوم الكائنات التي مست