البشر، فوصفوه بالمكان والجهة والنزول والصعود المتعارفين للأجسام، إلى أشباه ذلك من بدع المعتزلة والكرامية وغيرهما، وأول من صنف في الكلام من أهل الأهواء واصل بن عطاء شيخ المعتزلة، وتابعه على ذلك أكابر شيعته، ومن أجل هذا اشتد النكير من أئمة أهل السنة على الكلام والخائضين في الكلام، والقارئين في كتب أهله، وهم يريدون ما أتى به أهل الأهواء على اختلاف نحلهم في مجالسهم ومصنفاتهم. ولما اشتد ساعد البدع وانتشر ضررها في الناس بمشاغبة دعاتهم وانتشار مؤلفاتهم الموبوءة بين العامة، اضطر أهل الحق للكلام في رد هذه البدع بعقد مجالس المناظرة معهم والتصنيفات الجامعة لما بينه القرآن من أصول الدين، وأوضحته السنة، وقررته العقول المستنيرة، كشفا لعوار تلك البدع، وإزاحة للظلم التي لبس بها أهل الهوى عن وجه الهدى الذي جاء به الكتاب العزيز. وصار الكلام بعد ذلك يطلق إطلاقا آخر ويراد به معنى سوى المعنى الأول الذي أنكرته الأئمة. هذا الأطلاق الثاني هو إطلاقه على ما جاء به المحققون من أكابر أهل السنة من الحجج الدامغة لأباطيل الكفار، وشبه المبتدعة من أهل الإسلام، وأصبح علم الكلام لا يراد به إلا هذا، وكثرت فيه التصانيف من المتقدمين والمتأخرين، فانهز أهل الأهواء جهل العامة بالفرق بين هذين الاطلاقين ونقلوا لهم كلمات الأئمة في ذم الكلام وأهله، ليصدوهم عن كتب أهل الحق النافية للتجسيم ولوازمه عن رب العزة، كما يقتضيه كتاب الله سبحانه كما سنفصله في هذا المقصد إن شاء الله. وليس ببدع ما يسلكه مبتدعة عصرنا من ذلك، بل هي طريقة مسلوكة قديما لأسلافهم الأولين، ودونك ما قال في هذا المقام إمام أئمة أهل السنة ومقدم الجماعة علما وحالا وقالا، والمجمع على مكانته العليا في الفضل من الموافق والمخالف، الأستاذ الأجل أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري صاحب الرسالة التي سارت بين أهل الفضل مسير الشمس، وأزالت عن طريق أهل الحق كل لبس، في رسالته التي بعث بها إلى علماء المشارق والمغارب المسماة