في موضع آخر من الكتاب العزيز: وإن الله ربي وربكم فاعبدوه. بفاء التفريع والترتب المفيدة للاستلزام، ويقول القرآن فيما أمر به الرسول الأعظم تارة: قل أغير الله أتخذ وليا؟ أي معبودا، وأخرى. قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء؟ وحديث المسألة في القبر الذي يكاد يبلغ حد التواتر المعنوي مشهور، وفيه أن الملكين يقولان للميت: من ربك؟ ولا يقولان من إلهك؟ فإذا أجابهما: (الله ربي ) ) اكتفيا منه في التوحيد بهذا الجواب، ولم يقولا له هذا توحيد الربوبية وهو لا ينجيك، فأول ما خاطب الله الأرواح قال ألست بربكم واكتفى منهم بالإقرار بوحدانيته في الربوبية، وأول ما تسأل الموتى في قبورها من ربك؟ واكتفى منهم بالإقرار بأنه ربهم، أفبعد هذا يتشكك متشكك؟ ولكن الله يهدي لنوره من يشاء
وكذلك رتب القرآن اللوازم الفاسدة على نفي الوحدانية في الألوهية بيانا منه تعالى أن الشركة في الألوهية تستلزم الشركة في الربوبية عند المشركين لا محالة، تعالى الله أن يكون له شريك، فانظر ماذا قال سبحانه {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] ومعناه عند أولي النهى: أنه لو كان معه إله لكان ربا وخالقا، ولو كان معه ذلك لذهب الخ وإنما يكون الدليل تاما إذا صحت الملازمة وكانت مسلمة عند المخاطبين، ويأبى الله أن تكون حجته إلا تامة (وتمت كملة ربك صدقا وعدلا) ومعنى هذا أن القرآن يقرر أن من أشرك في استحقاق العبادة كان مشركا لا محالة في الربوبية وكذلك قال تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ولم يقل أرباب لتلازم الربوبية والألوهية نفيا وإثباتا وتقرير هذا البرهان الشريف: أنه لو كان معه شريك في الألوهية لكان شريكا في كونه ربا وخالقا، ولو كان كذلك لكان شريكا له في وجوب الوجود، ولو كان ذلك كذلك لفسدت العوالم، ولما كان لها نظام، بل ما كان لشيء منها وجود، فهنا ثلاث ملازمات، وبيان الأولى منها ما نقرر