في العقول من أن ما كان ربا كان إلها وبالعكس، ولا يعرف العقلاء سوى هذا، ولولا مشاغبة هذا المجترح لهذه البدعة وفريق المخدوعين برأيه لكان الكلام في إيضاحها ضربا من العبث. وبيان الملازمة الثانية ما تقدم من أن الممكن لذاته لا يملك الوجود فضلا عن الإيجاد، فمتى كان الشيء خالقا وموجدا كان لا محالة واجبا لا ممكنا، وقد فصلناه فيما سبق وقررناه وكررناه. وأما بيان الملازمة الثالثة وهي أنه لو تعدد واجب الوجود ما كان هذا النظام، بل ما كان وجود لكائن من الممكنات، فإنه محتاج إلى شيء من البسط، فافتح قلبك واستعن بالله ثم انظر معي إلى ما تعرف من الحقائق ولوازمها، فستجد أن الحقائق إذا اختلفت كانت لوازمها مختلفة لا محالة، كالحار يلزمه التبريد، وإذا وجدت لازما واحدا لحقيقتين فلا يكون لازما لهما من حيث ما اختلفا فيه، بل هو لازم لهما من حيث ما اشتركا فيه، فهو إذا ليس لازما، إلا للأمر الأعم المشترك بينهما، كالمتحرك اللازم للإنسان وغيره من الحيوان، فهو لازم لهما من حيث الأمر الأعم وهو الحيوان، فان حقيقة الإنسان وسواه من مشاركيه في الجنس مركبة مما به الاشتراك وما به الامتياز، ثم اللوازم منها ما يكون لأمر خارج عن الشيء وتسمى عرضية، ومنها ما يكون لذات الشيء لا لأمر خارج وتسمى ذاتية فما لزم الحقائق من حيث ما به اختلافها كان مختلفا غير متحد. وقد أراك الله ذلك فيما خلق، فترى لكل شخص شكلا خاصا، وترى للبياض لوازم تخصه، وللسواد لوازم تخبصه، ولكل عنصر ولكل مركب خواص تباين خواص الآخر غير أنه ليس في الممكنات الموجودة من ذوات ولوازم إلا ما هو بالجعل كما قدمناه مفصلا في بحث الممكنات، وقررنا هناك أن اللزوم في الأغلب عادي، ومن أجل هذا جاز التخلف، ولكنا ذكرنا ذلك هنا لترقى به إلى ما سنلقي عليك وهو أن الواجب لا يجوز في حقيقته التركب، فإن التركب من لوازم الإمكان كما مر ولا يكون له شيء بالجعل، وإلا كان ممكنا بالبداهة، وقد سبق أن الواجب له الغنى الأتم