فكمالاته اللائقة بمرتبة وجوده لا تكون إلا لوازم ذاتية هي له بمقتضى ذاته وموجب حقيقته الخاصة. إذا فهمت هذا وأتقنته حق إتقانه تبين لك أنه لو تعددت ذوات واجب لوجود لكانت مختلفة كل الاختلاف متباينة كل التباين لأنه لا تركب في حقيقة الواجب، حتى يكون هناك ذاتي يشترك فيه، ولوازم حقيقة الواجب ذاتية، فيكون لكل واجب لوازم تخصه وكمالات هي له بمقتضى ذاته المباينة لذات الآخر، ومتى اختلفت الحقائق كل الاختلاف تبعها اختلاف لوازمها وتباينها كل التباين، ومن كمالات الواجب ولوازمه الذاتية العلم والإرادة والقدرة كما أسلفنا، وفعل كل إنما يكون بالقدرة على حسب الإرادة، والإرادة على وفق العلم، ووجود الكائنات ونظامها إنما هو بحسب ذلك، فلو كان في الوجود أكثر من واجب لتخالفت علومهم وإراداتهم حسب اختلاف حقائقهم، وهذا اختلاف ذاتي يستحيل معه الوفاق، ولو كان كذلك ما اتحد هذا النظام الذي تراه، بل كان مختلفا مضطربا بل لما وجد نظام، بل لما وجد، كائن من الكائنات لأن السلطة على كل ممكن عامة والممكن من حيث ذاته قابل للتأثر، والقوى في الواجبين متكافئة متدافعة متشاكسة فأنى يوجد كائن؟ وهانت ذا ترى النظام مؤتلفا غير مختلف، مرتبطا غير مفكك، أفلا ينطق ذلك بوحدانية واجب الوجود في ذاته العلية وكمالاته المقدسة التي لا تصح إلا له بمقتضى ذاته وموجب حقيقته، بلى، فتعالى الله عما يشركون. وربما احتاج غير اللبيب في هذا المقام: إلى أبسط من هذا البيان، لكن مقام هذا الوجيز لا يسمح بأكثر من هذا، وفيه لذي اللب مقنع إن شاء الله تعالى.
وبما سلف من التقرير تعلم أن هذا الدليل القرآني على الوحدانية برهاني تام لا خطابي إقناعي، وهو الذي عليه المحققون من فرسان المعقول والمدققين في فهم المنقول، حتى شنعوا على العلامة سعد الدين التفتازاني في قولنه بأنه خطابي، وبعد فلا خفاء على من تدبر كتاب الله في أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية