فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 153

4 -قوله (مس) : «وَلَعَلَّ الْوَهْمَ فِيهِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوِ مِنِ ابْنِ نُمَيْرٍ أَوْ مِنْ أَبِي أُسَامَةَ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ ابْنَ نُمَيْرٍ، لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يُحْتَمَلُ. فَأَمَّا أَنْ يَلْزَمَ مُسْلِمًا فِيهِ الْوَهْمُ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَلَا حَتَّى يُوجَدَ مِنْ غَيْرِ (1) حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَلَى الصَّوَابِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الْوَهْمُ وَإِلَّا فَلَا» . اهـ

• قلتُ: اعتراض أبي مسعود على الدارقطني هنا ليس بشيء، لأنَّ الدارقطني لَمْ يَجعل الحَمْلَ في رواية أبي أسامة على مسلم كما فَهِمَ أبو مسعود. فإنه مِن حيث الرواية، ليس الوهم مِن مسلم قطعًا: فقد رواه محمد بن عمر الجرجاني (2) ، عن ابن نُمَيْر كرواية مسلم، فعُلِمَ أنَّ الوهم فيه مِن ابن نُمَيْر خالَفَ فيه الناسَ عن أبي أسامة. وإنما وَجْهُ الانتقاد في كلام الدارقطني هو إخراج مسلمٍ هذه الرواية المعلولة في صحيحه، لا أنَّ مسلمًا هو الذي وَهِمَ في رَفْعِ الحديث.

[1] - قال صالح: نقله ابن ابن الملقن في"التوضيح" (7/ 92) ، وفيه:"من غيره"، وهو خطأ.

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في"الجرح والتعديل" (2/ 36) : «باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه أنها تقويه، وعن المطعون عليه أنها لا تقويه: حدثنا عبد الرحمن، يعني ابن أبي حاتم، قال: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولًا نفعه رواية الثقة عنه.

حدثنا عبد الرحمن، يعني ابن أبي حاتم، قال: سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوى حديثه؟ قال: أي لعمري». انتهى. وفى هذا المذهب تفصيل.

ثم الاستيناس بمذاكرته (يعني بمذاكرة محمد بن عمر الجُرْجَاني) يحيى بن معين, وأبا بكر بن أبى شيبة, وتثبته منه في سماعه من شريك، فإن ذلك مشعر بعلو رتبته وتثبته، مما ينفي عنه بعض ما يخشى من التدليس وسرقة الأحاديث، مما يؤثر على متابعاته، على أنه قد صرح ههنا بالتحديث، وإن كان بعضهم يتأول فيه، إلا أن الأصل عدم ذلك، إلا ممن عرف منه أو شهر مذهب قومه وبلده فيه، على أنا نحترز كثيرًا من صيغ السماع التى لا نجد لها أصلًا إلا من رواية أهل الطباق المتأخرة وإنْ عند عدم التعارض, وذلك لمكان كلام الذهبي فى"الموقظة"عن الحاكم، وسبب الدَّخَل الذى اعترى"مستدركه", وإنما تطلبنا بعض هذا الكلام من الأخ، وفقه الله، لأن ثبوت المتابعة فرع ثبوت السند إلى المتابَع فيه.

هذا وأنبه إلى أن الضعيف قد يحفظ أحيانًا، والوهم ههنا مع إغفالنا المتابعة هو من ابن نُمَيْر أو مسلم، فيستانس بهذه المتابعة حتى ولو ضعفنا الصيرفي بجهلنا حاله، وأنا لم نقف على كبير حديث له، وإن كان قد رحل وروى، فمواطأته مسلمًا فيما روى، وإقامته السند والمتن يوحي بحفظه له، ولا نتوجس إلا من تدليسه له عن ابن نُمَيْر، وقد صرّح بالتحديث، فانتفى ذلك، على أنه كان يتثبت كما قدّمنا من السماعات، فلا أراه يعني بها، ثم هو يخالف ذلك هذا.

والوهم في هذا الحديث عندي من أبي أسامة، لكأن ابن نُمَيْر سمع هذا الحديث في المذاكرة، ولا أرى أبا أسامة إلا أخطأ له حين حدثه من حفظه، وكان صاحب كتاب لا يكاد يخطئ إذا حدّث منه، وله بعض الوهم إذا حدّث من حفظه، وربما دلس.

هذا وابن نُمَيْر حافظ، متقن، صيرفي، حُجَّة في أهل الكوفة، وأبو أسامة كوفي، على أني لا أقطع بذلك، وما ذكره الأخ - أحمد الأقطش - من توهيم ابن نُمَيْر جار على قواعد الصنعة لا مغمز فيه، إلا أني سأبدي وجه قولي، وجنوحي لتوهيم أبي أسامة بعد، ثم سأتكلم، إن شاء الله، على الجمع بين قولي الدارقطني، فإن لهما محملًاُ، وأذكر بعد ذلك، إن شاء الله، علة حديث همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، فإنه حديث أبي المَلِيح، وَهِمَ فيه همام، وكان صاحب كتاب، ثبتًا في قتادة جدًّا، له بعض الوهم إذا حدّث من حفظه.

فقول الأخ - أحمد الأقطش - باختلاف قَوْلَي الدارقطني ظاهر, ويمكن فيه أن يكون الدارقطني أراد بقوليه ما جنحنا إليه من كون أبي أسامة وهم فيه وغلط لا ابن نُمَيْر حين حدثه, وذلك ظاهر كلامه في"التتبع".

أما ههنا فإن قوله بأن الحديث محفوظ عن أبي أسامة على الصواب يفهم منه هذا القدر, وهو أن حديث مسلم, عن ابن نُمَيْر وهَمٌ.

ولا شك أن الأصل في ذلك عدم تحميل أبي أسامة التبعة, إلا أنه ربما كان الحديث محفوظًا عن راو على الصواب, ولعله أن يغلط فيه مرة حين يحدّث به أحد الحفاظ, أو يحدّث به على وجه غير مشهور عنه وإن لم يكن غلطًا, كما ذكر ابن أبي حاتم في"مقدمة الجرح والتعديل" (صفحة 64) : «حدثنا عبد الرحمن، هو ابن أبي حاتم، حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لما حدّث سفيان, عن حماد, عن عمرو بن عطية التيمي, عن سلمان قال:"إذا حككت جسدك فلا تمسحه ببزاق، فإنه ليس بطهور"، قلت له: هذا حماد يروي عن رِبْعِي بن حِرَاش، عن سلمان، قال: من يقول ذا؟ قلت: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أمضه، قلت: حدثنا شعبة، قال: أمضه، قلت: حدثنا هشام الدستوائي، قال: هشام؟ قلت: نعم، فأطرق هنيهة؛ ثم قال: أمضه، سمعت حمادًا يحدثه عن عمرو بن عطية، عن سلمان، قال عبد الرحمن: فمكثت زمانًا أحمل الخطأ على سفيان، حتى نظرت في كتاب غندر، عن شعبة، فإذا هو عن حماد، عن رِبْعِي بن حِرَاش، عن سلمان، قال شعبة: وقد قال حماد مرة: عن عمرو بن عطية التيمي، عن سلمان، فعلمت أن سفيان إذا حفظ الشيء لم يبال من خالفه» . انتهى.

وهذا النوع من زَعَم حفظ رواية الحفاظ لحديث مع مخالفتهم لعامة أصحاب الشيخ من المتقنين يعسر الحكم به لشدة خفائه, ولا يقطع بشيء من ذلك إلا بحجة فالجة.

وإنما ذكرنا ما ذكرنا روْمًا للجمع بين مختلف قَوْلَي الدارقطني, وإن كنا لا ننكر تغير اجتهاد الناقد الواحد, وخصوصًا في تحديد الواهم في حديث, فإن النقاد يتفقون في الحكم على عامة الأحاديث الغلط, إلا في الخاص النادر من الغرائب التى تتجابذها الأنظار, غير أنهم مع ذلك ربما اختلفوا في تحديد الواهم, وتحميل التبعة أحد الرواة بعد اتفاقهم على أن الحديث وهَم، ولذلك عدة أسباب لا نطيل بسردها.

هذا؛ وأما ما ملنا إليه من كون ابن نُمَيْر بريًّا من عهدة هذا الحديث مع مخالفته الثقات من أصحاب أبي أسامة, وأنهم رووا عنه الحديث على الصواب, فسبب ذلك أن ابن نُمَيْر حافظ متقن جهبذ, ودرجة الجهبذة تعصمه من كثير من الخطأ, وتنبهه عليه إن صدر منه لعنايته بأحاديث الناس وتدبرها مع حديث نفسه, ومن أجل هذه العلة عندنا قدم ابن أبي حاتم في سرده مراتب الرواة, الرواة الجهابذة المتقنين على من يساميهم من المتقنين أيضًا من غير الجهابذة مع الملاحظة أن مع الأولين زيادة علم وجلالة الكلام في النقلة, إلا أنهم كما ذكرنا بطول تفتيشهم عن أوهام الرواة وتثبتهم قد أحرزوا أنفسهم عن كثير من الخطأ, ونبهوها عليه إن صدر منهم.

هذا مع أن ابن نُمَيْر كوفي, له عناية مع جهبذته بحديث أهل بلده ورجالهم خاصة, حتى صار قوله فيهم هو المُعَوَّلُ عليه عند أحمد, وابن معين, وغيرهما. ومن كان هكذا؛ فيبعد عندي أن لا يَفْطِن لرفع حديث مشهور, أو بعضه, قد رواه الناس موقوفًا عن شيخه وبلديه لشدة علمه به وبأحواله, وحديثه كذلك, ولا شك - إن شاء الله - أنه كان يذاكره بالحديث, فإن من كان في منزلته يُعْنى بمذاكرة الشيوخ والحفاظ كأبي أسامة, وذا مستفيض في تراجم الأئمة, لا ينكره إلا من لم يعالج الحديث, ويسبر أخبار القوم, هذا ولقد كان يُذاكِر أبا أسامة من هو دون ابن نُمَيْر في المعرفة, وإن كان حافظًا جدًّا!!! كما ذكر ابن رجب في"شرح العلل" (2/ 644) : «وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديث أبي كُرَيْب: عن أبي أسامة، ولم نعرفه إلا من حديث أبي كُرَيْب، عن أبي أسامة. فقلت: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا، فجعل يتعجب، ويقول: ما علمت أن أحدًا حدّث بهذا غير أبي كُرَيْب. قال محمد: وكنا نرى أن أبي كُرَيْب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة» . انتهى.

وهذه القصة، وإن لم تكن عين الواقعة التى نتكلم عليها, إلا أنها قد يعتبر بها في عضد ما صرنا إليه, ثم قد علم أن أبا أسامة صاحب كتاب ثبت متقن على تصحيف يسير منه, وأنه إذا حدّث من حفظه ربما وقع له بعض الوهم اليسير, هذا ولا نُحَمّل مُسلمًا تبعة هذا الحديث, إن لم نعتبر المتابعة لتوقيه, ولبثه في تأليف"الصحيح"مدة, وتوقيه بالكتابة, وهو شاهد أصوله, وغير ذلك من الأسباب.

وأخيرًا قال الأخ - أحمد الأقطش - وفقه الله: وقد جعل ابن رجب، وابن حجر الحمل في رفع الحديث على حَبِيب بن الشَّهِيد. فقال ابن رجب: «وقد وقع أوله مرفوعًا، خرّجه مسلم من رواية حَبِيب بن الشَّهِيد: سمعت عطاء يحدِّث، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا صلاة إلا بقراءة"» . انتهى. وقال ابن حجر: "كذا هو موقوف. وكذا هو عند من ذكرنا روايته، إلا حَبِيب بن الشَّهِيد فرواه مرفوعًا بلفظ:"لا صلاة إلا بقراءة". هكذا أورده مسلم مِن رواية أبي أسامة، عنه». انتهى. قلتُ: قد رواه الناس عن حَبِيب بن الشَّهِيد على الصواب كما تقدَّم. انتهى من كلامه."

قلت: هذا الكلام خطأ, وهو عجيب من الأخ - أحمد الأقطش - وفقه الله، فإن ابن حجر, وابن رجب لم يحملا في هذا الحديث على حَبِيب , أما ابن رجب فهذا كلامه في"الفتح" (7/ 58) : «فأكثر ما يستفاد من هذا الحديث في هذا الباب: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح, ويجهر بالقراءة، وليس فيه ذكر ما كان يقرأ به، ولا تقديره، فأول الحديث وآخره موقوف على أبي هريرة. وقد وقع أوله مرفوعًا،

خرجه مسلم من رواية حَبِيب بن الشهيد، سمعت عطاء يحدث، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا صلاة إلا بقراءة". قال أبو هريرة:"فما أعلن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلنا لكم، وما أخفاه أخفيناه لكم". وذكر الدارقطني، وأبو مسعود الدمشقي، وغيرهما: أن رفعه وهم، وإنما هو موقوف». انتهى.

قلت: إنما ذكر ابن رجب أن الخطأ في رفع الحديث وقع فيه من رواية وطريق حَبِيب، ولم يتعرض لتوهيمه ألبتة، ثم أحال على إعلال أبي مسعود، والدارقطني هذا الحديث، وأن رفعه وهم، وقد علم كما تقدم على من حمل فيه الدارقطني، وأبومسعود، وأنهما لم يغمزا به حَبِيبًا هذا، وإنما ذكر ابن رجب حَبِيبًا دون غيره، لأن الطريق التى وقع فيها الوهم هي طريقه وممايزًا بينها وبين الطريق التي أخرج البخاري الحديث منها فإن كلتا الطريقين يجتمعان في عطاء. البخاري: عن ابن جُرَيْج، عنه. ومسلم: عن حَبِيب، عنه.

وأنبه إلى أن أئمة الحديث وخصوصًا المتقدمين منهم ربما أضربوا عن ذكر بعض الطرق المشهورة عند سرد الاختلاف في الحديث الواحد فيحسبها بعضهم سهوًا منهم أو حفظًا، وإنما يفعلون ذلك لاشتهار تلك الطرق، وأن السائل لهم ربما كان ذا حفظ وفهم كابن أبي حاتم فليتفطن لذلك.

هذا ما يتعلق بكلام ابن رجب.

أما كلام الحافظ، فهو صريح جدًّا في أن الحمل فيه على غير حَبِيب, قال في"الفتح": «وتابع ابن جُرَيْج, حَبِيب المعلم عند مسلم. وأبي داود, وحَبِيب بن الشَّهِيد عند مسلم، وأحمد. ورقبة بن مَصْقَلَة عند النسائي. وقيس بن سعد, وعمارة بن ميمون عند أبي داود. وحسين المعلم عند أبي نعيم في"المستخرج". ستتهم عن عطاء, منهم من طَوَّلَه, ومنهم من اختصره.

قوله:"في كل صلاة يُقرأ"، بضم أوله على البناء للمجهول.

ووقع في رواية الأَصِيلي:"نقرأ"بنون مفتوحة في أوله.

كذا هو موقوف، وكذا هو عند من ذكرنا روايته، إلا حَبِيب بن الشَّهِيد فرواه مرفوعًا بلفظ:"لا صلاة إلا بقراءة"، هكذا أورده مسلم من رواية أبي أسامة عنه، وقد أنكره الدارقطني على مسلم، وقال:"إن المحفوظ عن أبي أسامة وقفه, كما رواه أصحاب ابن جُرَيْج, وكذا رواه أحمد, عن يحيى القطان, وأبي عُبَيْدة الحداد, كلاهما عن حَبِيب المذكور موقوفًا». انتهى."

فبان بصريح كلام الحافظ ومنطوقه أنه يرى الوهم فيه من غير حَبِيب لكونه ذكر رواية الجماعة عن حَبِيب على الصواب, وكذا عزا للدارقطنى إنكاره على مسلم هذا الحديث, وأن المحفوظ فيه عن أبي أسامة كرواية الجماعة, فلا أرى وجهًا للقول بأن الحافظ حمل فيه على حَبِيب.

وختامًا: لقد أحسن الأخ - أحمد الأقطش - في التنبيه على الوهم الذي وقع في طريق يزيد بن زريع عند أبي نعيم, ونقله الحافظ في"الفتح"، على أن طبعة"المستخرج"رديئة جدًّا، إلا أن الحافظ قد ذكر الوهم في"فتحه"، وهذا ما أراده بقوله: «وقع تحريف قديم في مستخرج أبي نعيم» , ولولا القرينة التى ذكر من كلام أبي نعيم لقرب عندي أن يكون الوهم من شيخه، أو في الطريق إلى يزيد، ولا شك أن حَبِيبًا تصحفت إلى حسين - إن شاء الله!!! -.

وأخيرًا كان بالإمكان الزيادة على ما ذكرنا والكلام على تدليس أبي أسامة، وهل له مدخل في كلام الدارقطني في"التتبع"، إلا أني أعرضت عن ذلك لضيق الوقت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت