مِن سياق التواريخ يتبيَّن أنَّ صحيح مسلم قد صُنِّف قبل صحيح البخاري، وما استعرضناه مِن شواهد وقرائن يؤكد هذا. فقد صرَّح أبو زرعة بأنَّ مسلمًا لَمْ يسبقه أحدٌ إلى تصنيف الصحيح. ولا يقال إنَّ أبا زرعة قد خَفِيَ عليه وجود صحيح البخاري، فقد دخل البخاري الري بعد ذلك وجلس إليه أبو زرعة. فلو كان صحيحُه معروفًا وقتئذٍ، لَعَابَه أبو زرعة بمثل ما عاب صحيح مسلم. يضاف إلى ذلك أنَّ البخاري قد عمَّى الذهليَّ في صحيحه لِمَا وَقَعَ بينه وبينه في نيسابور، وهذا يعني أنَّ البخاري قد فرغ مِن تصنيف صحيحه بعد خروجه مِنها.
وقد كان لِمِحْنَة البخاري مع الذهلي أثرها في نفسه، ومع ذلك لَمْ يَترك البخاريُّ الروايةَ عنه بل بلغ به إنصافُه أنْ أبقى على أحاديثه في صحيحه، ولكنه لَمْ يَقُلْ في موضعٍ مِنه: «محمد بن يحيى الذهلي» ( [1] ) . بل تارةً يقول: «محمد» غير منسوب، وتارةً: «محمد بن عبد الله» ينسبه إلى جده، وتارةً: «محمد بن خالد» ينسبه إلى جد أبيه ( [2] ) . قال ابن المنير ( [3] ) : «ومِن تمام رسوخ البخاري في الورع أنه كان يَحلف بعد هذه المحنة أنَّ الحامد والذامَّ عنده مِن الناس سواء. يريد أنه لا يَكره ذامَّه طبعًا، ويجوز أن يكرهه شرعًا، فيقوم بالحق لا بالحظ. ويحقِّق ذلك مِن حاله أنه لَمْ يَمْحُ اسم الذهلي مِن جامعه، بل أثبت روايته عنه. غير أنه لَمْ يوجد في كتابه إلاَّ على أحد وجهين: إمَّا أن يقول: (حدثنا محمد) ويقتصر، وإمَّا أن يقول: (حدثنا محمد بن خالد) فينسبه إلى جد أبيه. فإن قلتَ: فما له أجمله واتَّقى أن يذكره بنسبه المشهور؟ قلتُ: لَعَلَّهُ لمَّا اقتضى التحقيق عنده أن يُبقى روايته عنده خشية أن يكتم علمًا رزقه الله على يديه، وعَذَرَه في قَدْحِه فيه بالتأويل والتعويل على تحسين الظن، خشي على الناس أن يقعوا فيه بأنه قد عدَّل مَن جَرَحَه، وذلك يوهم أنه صدَّقه على نفسه فيَجُرَّ ذلك إلى البخاري وهنًا. فأَخفى اسمَه وغطَّى رسمَه وما كَتَمَ عِلْمَه، فجمع بين المصلحتين. والله أعلم بمراده مِن ذلك» . اهـ
ونظرًا لتأخُّرِ إخراجِ البخاريِّ صحيحَه للناس إلى ما قبل وفاته، كان صحيحُ مسلم في ذلك الوقت قد انتشر في نيسابور ونواحيها وسارت به الركبان. وأمَّا صحيح البخاري فأوَّل مَن رواه خارج فربر هو ابن السكن، فقد حدَّث به في مصر سنة 343 هـ ( [4] ) . ثم حدَّث به أبو زيد المروزي في مكة سنة 353 هـ وفي بغداد 359 هـ ( [5] ) . وهذا يؤكد على أنَّ أبا علي الحافظ النيسابوري لَمْ يَصِلْهُ صحيح البخاري فإنه توفي سنة 349 هـ ( [6] ) ، ورواية ابن السكن إنما وقعت للمغاربة. قال أبو علي الحافظ ( [7] ) : «ما تحت أديم السماء أَصَحُّ مِن كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث» . اهـ قال الذهبي ( [8] ) : «لَعَلَّ أبا علي ما وَصَلَ إليه صحيح البخاري» . اهـ وهو كما قال. والله الموفق.
فائدة:
قال أبو عبد الله الحاكم في ترجمة ابن رميح النسوي ( [9] ) : «انصرف إلى خراسان وقد شاخ، وذلك في سنة خمسين وثلاثمائة [350 هـ] . فعقدتُ له المجلس في مسجد يحيى بن صبيح، وقرأتُ عليه الجامع الصحيح للبخاري، وحضر الناس. فأقام بنيسابور ثلاث سنين» . اهـ قلتُ: فيُعلم مِن هذا أنَّ صحيح البخاري دَخَلَ نيسابور بعد وفاة أبي علي الحافظ بسنةٍ واحدة. والله أعلم.
[1] - رجال صحيح البخاري للكلاباذي ص687.
[2] - المدخل إلى الصحيح للحاكم 4/ 237 فما بعد.
[3] - المتواري على أبواب البخاري لابن المنير ص48 فما بعد.
[4] - تقييد المهمل للغساني 1/ 60.
[5] - نفس الموضع السابق.
[6] - تاريخ دمشق لابن عساكر 14/ 281.
[7] - تاريخ بغداد للخطيب 13/ 102.
[8] - تذكرة الحفاظ للذهبي 2/ 126.
[9] - التقييد لابن نقطة ص175.