نَقَلَ مسلم عن هذا الرجل تقريرَ مذهبه في السماع، ثم تولَّى الردَّ عليه. قال مسلم ( [1] ) : «وقد تكلَّم بعضُ منتحلي الحديث مِن أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقولٍ لو ضربنا عن حكايته وذِكْرِ فساده صفحًا لكان رأيًا متينًا ومذهبًا صحيحًا. إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته وإخمال ذِكْرِ قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجُهَّال عليه. غير أنَّا لمَّا تخوَّفنا مِن شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور وإسراعهم إلى اعتقاد خطإ المخطئين والأقوال الساقطة عند العلماء، رَأَيْنَا الكشفَ عن فسادِ قولِه ورَدَّ مقالتِه بقدرِ ما يليق بها مِن الردِّ أجدى على الأنام وأحمدَ للعاقبة إن شاء الله. وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله والإخبار عن سوء رويته: أنَّ كل إسنادٍ لحديثٍ فيه (فلان عن فلان) وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصرٍ واحدٍ، وجائزٌ أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمَّن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به، غير أنه لا نعلم له منه سماعًا ولَمْ نَجِدْ في شيءٍ مِن الروايات أنهما التقيا قط أو تشافها بحديثٍ: أنَّ الحجة لا تقوم عنده بكل خبرٍ جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا مِن دهرهما مرةً فصاعدًا، أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبرٌ فيه بيان اجتماعهما وتلاقيهما مرةً مِن دهرهما فما فوقها. فإن لَمْ يكن عنده علم ذلك ولَمْ تَأْتِ روايةٌ تخبر أنَّ هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرةً وسمع منه شيئًا، لَمْ يكن في نَقْلِه الخبر عمَّن روى عنه ذلك - والأمر كما وصفنا - حجة، وكان الخبر عنده موقوفًا حتى يرد عليه سماعه منه لشيءٍ مِن الحديث قلَّ أو كثر في روايةٍ مثل ما ورد» .
وجاء رَدُّ مسلم كالتالي: «وهذا القول يرحمك الله في الطعن في الأسانيد قولٌ مخترعٌ مستحدثٌ غير مسبوقٍ صاحبُه إليه، ولا مساعد له مِن أهل العلم عليه. وذلك أنَّ القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا أنَّ كل رجلٍ ثقةٍ رَوَى عن مثله حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤه والسماع منه لكونهما جميعًا كانا في عصرٍ واحد، وإنْ لَمْ يَأْتِ في خبرٍ قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلامٍ: فالرواية ثابتةٌ والحجة بها لازمةٌ. إلاَّ أن يكون هناك دلالةٌ بَيِّنَةٌ أنَّ هذا الراوي لَمْ يَلْقَ مَن رَوَى عنه، أو لَمْ يَسمع منه شيئًا. فأما والأمر مبهمٌ على الإمكان الذي فسَّرنا، فالرواية على السماع أبدًا حتى تكون الدلالة التي بَيَّنَّا. فيقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته أو للذابِّ عنه: قد أعطيتَ في جملة قولك أنَّ خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجةٌ يلزم به العمل، ثم أدخلتَ فيه الشرط بعد، فقلتَ: حتى نعلم أنهما قد كانا التقيا مرةً فصاعدًا، أو سمع منه شيئًا. فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحدٍ يلزم قوله؟ وإلاَّ فَهَلُمَّ دليلًا على ما زعمتَ. فإن ادَّعى قول أحدٍ مِن علماء السلف بما زعم مِن إدخال الشريطة في تثبيت الخبر، طولب به، ولن يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلًا.
وإن هو ادَّعى فيما زعم دليلًا يحتجُّ به، قيل: وما ذاك الدليل؟ فإن قال:"قُلْتُه لأني وجدتُ رواة الأخبار قديمًا وحديثًا يَروي أحدُهم عن الآخر الحديث ولمَّا يعاينه ولا سمع مِنه شيئًا قط، فلمَّا رأيتُهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا على الإرسال مِن غير سماع - والمرسل مِن الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة - احتجتُ لما وصفتُ مِن العلَّة إلى البحث عن سماعِ راوي كلِّ خبرٍ عن راويه. فإذا أنا هجمتُ على سماعه منه لأدنى شيءٍ، ثبت عندي بذلك جميع ما يروي عنه بعد. فإن عزب عني معرفة ذلك، أوقفتُ الخبر ولَمْ يكن عندي موضعَ حجةٍ لإمكان الإرسال فيه".
فيقال له: فإن كانت العلةُ في تضعيفك الخبر وتركك الاحتجاج به إمكانَ الإرسال فيه، لَزِمَكَ أن لا تثبت إسنادًا معنعنًا حتى ترى فيه السماع مِن أوله إلى آخره. وذلك أنَّ الحديث الوارد علينا بإسناد هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: فبِيَقِينٍ نعلم أنَّ هشامًا قد سمع مِن أبيه، وأنَّ أباه قد سمع مِن عائشة، كما نعلم أنَّ عائشة قد سمعت مِن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد يجوز إذا لَمْ يَقُلْ هشام في روايةٍ يرويها عن أبيه: (سمعت) أو (أخبرني) ، أن يكون بينه وبين أبيه في تلك الرواية إنسانٌ آخر أخبره بها عن أبيه، ولَمْ يَسمعها هو مِن أبيه لمَّا أحبَّ أن يرويها مرسلًا ولا يسندها إلى مَن سمعها منه. وكما يمكن ذلك في هشام عن أبيه، فهو أيضا ممكنٌ في أبيه عن عائشة. وكذلك كل إسنادٍ لحديث ليس فيه ذِكْرُ سماعِ بعضهم مِن بعض - وإن كان قد عُرف في الجملة أنَّ كل واحدٍ منهم قد سمع مِن صاحبه سماعًا كثيرًا - فجائزٌ لكل واحدٍ منهم أن ينزل في بعض الرواية فيسمع مِن غيره عنه بعضَ أحاديثه ثم يرسله عنه أحيانًا ولا يُسَمِّي مَن سمع منه، وينشط أحيانًا فيسمِّي الذي حمل عنه الحديث ويترك الإرسال. وما قلنا مِن هذا موجودٌ في الحديث مستفيضٌ مِن فِعْلِ ثقات المحدثين وأئمة أهل العلم».
ثم قال: «وما عَلِمْنَا أحدًا مِن أئمة السلف مِمَّن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها - مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومَن بعدهم مِن أهل الحديث - فتَّشوا عن موضع السماع في الأسانيد كما ادَّعاه الذي وصفنا قوله من قبل. وإنما كان تفقُّد مَن تفقَّد منهم سماع رواة الحديث مِمَّن روى عنهم إذا كان الراوي مِمَّن عُرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته ويتفقَّدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس. فمن ابتغى ذلك مِن غير مدلسٍ على الوجه الذي زعم مَن حَكَيْنَا قولَه، فما سَمِعْنَا ذلك عن أحدٍ مِمَّن سَمَّيْنا ولَمْ نُسَمِّ مِن الأئمة» . ثم قال: «وكان هذا القولُ الذي أَحْدَثَه القائلُ الذي حكيناه في توهين الحديث بالعلَّة التي وصف أقلَّ مِن أن يُعَرَّج عليه ويثار ذِكْرُه، إذ كان قولًا محدثًا وكلامًا خلفًا لَمْ يَقُلْهُ أحدٌ مِن أهل العلم سلف، ويستنكره مِن بعدهم خلف. فلا حاجة بنا في رَدِّه بأكثر مِمَّا شرحنا، إذ كان قدر المقالة وقائلها القدر الذي وصفناه. والله المستعان على دفع ما خالف مذهب العلماء وعليه التكلان» . اهـ
[1] - صحيح مسلم 1/ 28 فما بعد.