فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 153

وبَلَغَ أبا حاتم الرازي سنة 247 هـ أنَّ البخاري قادمٌ مِن العراق إلى الري، فبشَّر أصحابَه بهذا. قال ابن زيرك ( [1] ) : «سمعتُ محمد بن إدريس الرازي يقول في سنة سبع وأربعين ومائتين:"يَقْدُمُ عليكم رجلٌ مِن أهل خراسان لَمْ يَخرج منها أحفظ منه، ولا قَدِمَ العراقَ أعلم منه". فقَدِمَ علينا بعد ذلك محمدُ بن إسماعيل بأشهُر. قال: وقال أبو حاتم الرازي في هذا المجلس:"محمد بن إسماعيل أعلم مَن دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم مَن بخراسان اليوم مِن أهل الحديث، ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبد الله بن عبد الرحمن أثبتهم"» . اهـ

وكان البخاري قبل ذلك مقيمًا بالبصرة خمس سنين منشغلًا بتصانيفه، فقد قال ( [2] ) : «أقمتُ بالبصرة خمس سنين ومعي كتبي، أصنِّف وأحجُّ في كل سنةٍ، وأرجع مِن مكة إلى البصرة. فأنا أرجو أنَّ الله تبارك وتعالى يبارك للمسلمين في هذه المصنفات» . اهـ وقبل أن يغادر البصرة، حدَّث فيها بتاريخه الكبير سنة 246 هـ. قال ابن سهل المقرئ صاحب الرواية المشهورة للتاريخ ( [3] ) : «حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي بالبصرة سنة ست وأربعين ومئتين» . اهـ ثم عزم على الرجوع إلى نيسابور، فقَدِمَ بغداد مجتازًا بها، وآخر مَن كَتَبَ عنه مِن أهلها المحاملي سنة 248 هـ. وكان هذا هو آخِرَ عَهْدِه بالعراق ( [4] ) .

ثم قَدِمَ البخاريُّ الريَّ في نفس السنة بعد شهورٍ مِن تبشير أبي حاتم بقدومه. وهذا أَوْلَى مِن قولِ ابن أبي حاتم إنَّ البخاري دخلها سنة 250 هـ ( [5] ) ، لأنَّ هذه السنة الذي ذَكَرَها هي سنة دخوله نيسابور كما سيأتي. وأقبل أبو حاتم وأبو زرعة والرازيون على البخاري يأخذون مِن علمه وينهلون مِن فوائده، وهُم المقرُّون بفضله المعترفون بنبوغه. فهذا أبو زرعة قال فيه أحدهم ( [6] ) : «رأيتُ أبا زرعة كالصبي جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل يسأله عن علل الحديث» . اهـ وكان فضلك الرازي قد التقى بالبخاري قديمًا في العراق ( [7] ) ، فوَقَعَ على تاريخه الكبير الأعجوبة. فانتسخه وحَمَلَه إلى أبي زرعة ( [8] ) ، فانتفع به وإن وَقَفَ فيه على أوهامٍ كثيرة. وقد صنَّف أبو زرعة كتابًا في بيان هذه الأوهام، وزاد عليه ابنُ أبي حاتم أقوالَ أبيه، ثم جمع ذلك كله في كتابه. والبخاري كان قد أصلح كثيرًا مِن أوهامه الموجودة في تلك النسخة القديمة، ولهذا تجد كثيرًا مِن المواضع التي انتقدها أبو زرعة قد جاءت على الصواب في الرواية الحالية للتاريخ. والبخاري قد صنَّف تاريخه أول مرةٍ سنة 212 هـ وهو ابن ثمان عشرة سنة، ثم جعل يُصلح فيه ويعدِّله ثلاث مرات كما أخبر عن نفسه ( [9] ) .

[1] - تاريخ بغداد للخطيب 2/ 23.

[2] - تاريخ دمشق لابن عساكر 52/ 72.

[3] - التاريخ الكبير للبخاري 1/ 3.

[4] - الإرشاد للخليلي 3/ 959.

[5] - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 7/ 191.

[6] - تاريخ الإسلام للذهبي 6/ 148.

[7] - تاريخ دمشق لابن عساكر 52/ 65.

[8] - بيان خطأ البخاري في تاريخه لابن أبي حاتم ص2.

[9] - تاريخ بغداد للخطيب 2/ 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت