ذهب أبو غدة - بعد أن اعتمد على قول العراقي بأنَّ مسلمًا ألَّف صحيحه سنة 250 هـ كما سلف بيانه - إلى أنَّ هذه المقدمة قد كتبها مسلم قبل الشروع في تأليف كتابه، فقال ( [1] ) : «ولا شك أنَّ مسلمًا رحمه الله تعالى قد كتب مقدمة صحيحه قبل الشروع في تأليفه لا بعده، كما هو صريح قوله في مقدمته (1/ 46 - 48) :"وظننتُ - حين سألتَني تجشُّمَ ذلك - أنْ لو عُزم لي عليه وقُضي لي تمامُه، كان أَوَّلُ مَن يصيبه نفع ذلك إياي خاصةً قبل غيري مِن الناس ... ثم إنَّا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألتَ وتأليفه على شريطةٍ سوف أذكرها لك ...."إلخ» . اهـ ثم خَلُص أبو غدة مِن ذلك إلى أنَّ الذي شنَّع عليه مسلم في مقدمته ليس البخاري وإنما هو ابن المديني، فإنَّ مسلمًا كان قد فرغ مِن تأليف صحيحه قبل أن يلقى البخاري.
وأبو غدة إن كان قَصَدَ بالتأليفِ هنا التصنيفَ النهائي بتبييض المسوَّدات، فنعم .. وهذا ظاهرٌ مِن عبارة مسلم. وأمَّا إن كان قَصَدَ أنَّ مسلمًا كتب المقدمة قبل شروعه أصلًا في جَمْع أحاديث الكتاب، ففيه نظرٌ لا يخفى! ولا يُظَنُّ أنَّ مسلمًا لمَّا طُلِبَ مِنه جَمْعُ الصحيح كَتَبَ هذه المقدمةَ مِن فوره، بل هو إنما ذَكَرَ في بداية المقدمة سبب تأليفه للكتاب وما اعتمل في نفسه وقتئذ. يعضد ذلك قول مسلم المذكور: «ثم إنَّا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألتَ وتأليفه» ، وهذا يعني أنه لمَّا كَتَبَ مقدمته كان قد فرغ مِن جَمْعِ الأحاديث وآن الأوان لتخريجها وتأليفها على نحوٍ منتظم.
ولا يُعقل أنَّ الخمس عشرة سنة التي ذكرها أحمد بن سلمة في تأليف الصحيح مقصودٌ بها مُدَّة تبييض المسوَّدات! بل المقصود هو مُدَّة العمل في الكتاب بالكامل، ابتداءً مِن جَمْع مادته وانتهاءً بتصنيفه، فإنَّ رحلات مسلم لسماع الأحاديث داخلةٌ في حساب هذه المدة. ومسلم لَمْ يكن ليكتب مقدمةً لكتابٍ معدوم! بل لَمْ يتهيَّأ لكتابتها إلاَّ وقد فرغ مِن كتابة الأحاديث التي انتخبها لكتابه، وبقي عليه أن يصنِّفها مرتبةً مهذبةً على النسق الذي استقرَّ عليه. ولا أحسب أنَّ مَن يقول في مقدمة كتابه: «وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحًا وإيضاحًا في مواضع مِن الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح» ، قد كتب ذلك رجمًا بالغيب قبل شروعه في جَمْعِ هذه الأخبار! بل هذا ظاهرٌ جدًّا أنَّ هذه الأحاديث مكتوبةٌ عنده بالفعل، وأنه سيبدأ في نَقْلِها مِن المسوَّدات إلى الكتاب عقب هذه المقدمة.
إذا تبيَّن لك هذا، أدركتَ أنَّ في تلك السنة التي فرغ فيها مسلم مِن تصنيف صحيحه كما يرى أبو غدة 250 هـ كان قد مَرَّ على وفاة ابن المديني 16 سنة! فإنه توفي سنة 234 هـ. بل لو أنَّ مسلمًا كان ابتدأ في تأليف صحيحه كما يرى أبو غدة سنة 235 هـ، لوجدتَ أنَّ ابن المديني كان وقتئذٍ في عداد الأموات! أمَّا على وفق ما حسبناه مِن قبل، فإنَّ مسلمًا قد فرغ مِن تأليف صحيحه سنة 242 هـ، وكان قد مَرَّ على وفاة ابن المديني ثمان سنين.
وابن المديني فإمامٌ مشهورٌ، وهو مِن أقران الإمام أحمد ومِن شيوخ الذهلي. وهو وإن كان مسلم قد سمع مِنه كما يقال، إلاَّ أنه على الحقيقة شيخُ شيخِه. ومصنفات ابن المديني في الحديث والعلل نارٌ على عَلَم. فمَن كان في هذه المنزلة مِن قبل أن يظهر مسلم، كيف يُظَنُّ أنه هو الذي قَصَدَه مسلمٌ بقوله: «بعض منتحلي الحديث مِن أهل عصرنا ... إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته وإخمال ذِكْرِ قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجُهَّال عليه» ؟! نعم .. استعمل مسلم في مقدمته عباراتٍ فيها قَدْرٌ مِن الاستخفاف والمجازفة، ولكنها مع ذلك لا تلتئم وشهرة ابن المديني. وقد كان هذا مِمَّا اعتمد عليه العوني في رَدِّ هذا الرأي ( [2] ) . وأنا أستبعد أن يكون الرجل المقصود هو ابن المديني لِمَا ذكرتُه.
[1] - الموقظة للذهبي ص319 فما بعد.
[2] - إجماع المحدثين للعوني ص87.