فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 153

ثم توجَّه البخاري إلى نيسابور واستوطنها سنة 250 هـ ( [1] ) ، فاستقبله الناس وعظموه وأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجلس الذهلي ( [2] ) . وكان الذهلي قد بَلَغَه عن البخاري مقالةً في اللفظ بالقرآن، فخشي إنْ هو أظهر مقالته أن يشمت بهم أهل البدع، فطلب مِن أصحابه ألاَّ يسألوا البخاريَّ عن شيءٍ مِن هذا. فما لبث أيامًا حتى سأله رجلٌ عن اللفظ بالقرآن، فقال البخاري: «أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا مِن أفعالنا» . فوقع اختلافٌ عظيمٌ بين الناس، هذا يطعن فيه وهذا يَذُبُّ عنه، حتى وثب بعضهم على بعض ( [3] ) . فما كان مِن البخاري إلاَّ أن قعد في منزله ( [4] ) . وكانت بين الذهلي وبينه جفوةٌ طوال إقامته بنيسابور، فقد كان ناقمًا عليه متكلِّمًا فيه، حتى قال أحد تلاميذه إنَّ ذلك كان حسدًا مِنه للبخاري لمَّا رأى اجتماع الناس عليه ( [5] ) . وقد استغرب ابنُ الذهلي مِن تحامُل أبيه على البخاري واتهامه له، فأجابه بأنه رآه قديمًا مائلًا إلى أهل البدع فقال: «رأيته بمكة يتبع شمخضةَ، وشمخضةُ كوفي قدري» . فبلغ ذلك البخاري فقال: «دخلتُ مكة ولَمْ أعرف بها أحدًا مِن المحدِّثين، وكان شمخضة هذا قد عرف المحدِّثين. فكنتُ أتبعه ليقرِّبني مِن المحدِّثين، فأيُّ عيبٍ في هذا!» ( [6] ) .

وقد انقطع بعضُ الناس عن مجالسة البخاري اتباعًا للذهلي ومهابةً مِنه، وبقي غيرُهم مِن طلبة العلم مِمَّن ظَلَّ يَختلف إلى البخاري. وكان على رأس هؤلاء مسلم بن الحجاج، فقد لازَمَه واستفاد مِنه كثيرًا وشَهِدَ بتفرُّده وكان يقول له ( [7] ) : «يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدِّثين، وطبيب الحديث في عِلَلِه» . اهـ حتى قال بعض أصحابه ( [8] ) : «رأيتُ مسلم بن الحجاج بين يدي محمد بن إسماعيل البخاري، وهو يسأله سؤال الصبي المتعلم» . اهـ فلمَّا وقف مسلمٌ على قَدْرِ عِلْمِ البخاري في هذا الشأن، عَلِمَ أنَّ الذهلي لَمْ يتكلَّم فيه إلاَّ لأنه يحسده، فقال له ( [9] ) : «لا يبغضك إلاَّ حاسد! وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك» . اهـ

وكان أن مات أحد شيوخ نيسابور وهو سعيد بن مروان سنة 252 هـ فصلَّى عليه الذهلي ( [10] ) ، وإذا بالبخاري في جنازته ( [11] ) . فجعل الذهليُّ يسأله عن الأسامي والكنى وعلل الحديث كأنما يمتحنه، والبخاري يمرُّ فيها مثل السهم! فسعى الذهلي إلى إخراجه مِن نيسابور لمَّا استحكم عليه ما في صدره، ولِمَا رآه مِن بعض تلاميذه مِن تعظيمهم للبخاري والاختلاف إليه مع تحذيره لهم مِنه. فما مَرَّ شهرٌ حتى قال ( [12] ) : «مَن ذَهَبَ بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلاَّ مَن كان على مثل مذهبه» . اهـ فقام مسلم على رؤوس الناس وخرج مِن مجلس الذهلي ( [13] ) ، وكانت هذه هي الوحشة الأخيرة بينهما.

ولَمْ يكتفِ الذهلي بهذا، بل كَتَبَ إلى تلك النواحي أنَّ البخاري قد أظهر خلاف السُّنَّة، وكان أبو زرعة وأبو حاتم مِمَّن كَتَبَ إليهم الذهلي بذلك، فتركا حديثه ( [14] ) . فعَزَمَ البخاري على الخروج مِن نيسابور وقال: «اللهم إنك تعلم أني لَمْ أُرِد المقامَ بنيسابور أشرًا ولا بطرًا ولا طلبًا للرياسة، وإنما أَبَتْ عليَّ نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين. وقد قَصَدَني هذا الرجلُ حسدًا لِمَا آتاني الله لا غير» . ثم أخبرَ أحمدَ بن سلمة بخروجه، فرافقه حتى خرج مِن نيسابور لَمْ يُشَيِّعْهُ غيرُه ( [15] ) .

[1] - سير أعلام النبلاء للذهبي 6/ 148.

[2] - تاريخ بغداد للخطيب 2/ 29.

[3] - تاريخ دمشق لابن عساكر 52/ 92 فما بعد.

[4] - مَن رَوَى عنهم البخاري في الصحيح لابن عدي ص56.

[5] - تاريخ بغداد للخطيب 2/ 29.

[6] - مَن رَوَى عنهم البخاري في الصحيح لابن عدي ص58 فما بعد.

[7] - تاريخ بغداد للخطيب 2/ 28.

[8] - تاريخ بغداد للخطيب 2/ 29.

[9] - تاريخ بغداد للخطيب 2/ 28.

[10] - تاريخ بغداد للخطيب 9/ 93.

[11] - تاريخ بغداد للخطيب 2/ 30.

[12] - تاريخ بغداد للخطيب 2/ 30 فما بعد.

[13] - تاريخ بغداد للخطيب 13/ 103.

[14] - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 7/ 191.

[15] - سير أعلام النبلاء للذهبي 12/ 459.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت