فلمَّا ذاع صيتُ هذا الكتاب في تلك الناحية ونَسَجَ فضلك الرازي على منواله أيضًا، ذَمَّ أبو زرعة صنيعَهما وتكلَّم فيهما. قال البرذعي ( [1] ) : «شَهِدْتُ أبا زرعة ذَكَرَ كتاب الصحيح الذي ألَّفه مسلم بن الحجاج ثم الفضل الصائغ على مثاله، فقال لي أبو زرعة:"هؤلاء قومٌ أرادوا التقدُّم قبل أوانه، فعملوا شيئًا يتشوَّفون به! ألَّفوا كتابًا لَمْ يُسبقوا إليه، لِيُقِيموا لأنفسهم رياسةً قبل وقتها"» . اهـ فهذا القول مِن أبي زرعة دلَّنا على أمرين: أحدهما أنَّ مسلمًا لمَّا ألف صحيحه كانت سِنُّه في نظر أبي زرعة أَقَلَّ مِن أن يُنَصِّبَ نفسه لهذا الشأن، وكأنَّه جَمَعَ كل الحديث النبوي وأحاط بما لَمْ يُحِطْ به شيوخُه، لا سيما في حضرة شيخه محمد بن يحيى الذهلي إمام نيسابور. الأمر الآخر: أنَّ البخاري لَمْ يكن قد أخرج صحيحه للناس وقتئذ، لأنَّ أبا زرعة رأَى أنَّ مسلمًا بتأليفه للصحيح قد ابتدع شيئًا غير معهودٍ لدى علماء الحديث. ومعلومٌ أنَّ البخاري مِن الحفاظ المشهورين الذين انتفع أبو زرعة وغيرُه بمصنفاتهم. فلو كان صحيح البخاري معروفًا في ذلك الوقت، فكيف قال أبو زرعة إنَّ مسلمًا لَمْ يسبقه أحدٌ إلى جَمْع الصحيح؟!
ولعلَّ ما رَمَى أبو زرعة به مسلمًا مِن تشوُّفه للرياسة كان مِنه اعتضادًا بما حدث بينه وبين شيخه الذهلي مِن قبلُ، فإنه عامَلَه رأسًا برأس لمَّا وقعت الوحشة بينهما. قال مكي بن عبدان ( [2] ) : «وافَى داود الأصبهاني نيسابور أيام إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، فعقدوا له مجلس النظر، وحضر مجلسه يحيى بن محمد بن يحيى ومسلم بن الحجاج. فَجَرَت لهم مسألةٌ تكلَّم فيها يحيى بن محمد بن يحيى، فزَبَرَه داودُ وقال:"اسكت يا صبي!". ولَمْ ينصره مسلم. فرجع إلى أبيه وشكا إليه داودَ، فقال محمد بن يحيى:"ومَن كان في المجلس؟". قال:"مسلم بن الحجاج، ولَمْ ينصرني!". قال:"قد رجعتُ عن كل ما حدَّثته به". قال: فبلغ مسلمًا قول محمد بن يحيى هذا، فجمع ما كتب عنه وجعله في زنبيل، وحمله إلى داره وقال:"لا أروي عنك أبدًا!". ثم خرج إلى عبد بن حميد» . اهـ فلعلَّ أبا زرعة قد رأى في تصرُّف مسلم مع أستاذه على هذا النحو ضربًا مِن العُجب والغرور وهو في تلك السنِّ إذ بينه وبين الذهلي 34 سنة، فحَمَلَ تأليفَه للصحيح بعد ذلك على أنه طلبًا للرياسة. وكان للذهلي قَدْرُه عند أبي زرعة، حتى إنه تَرَكَ حديثَ البخاري بعد ذلك اتباعًا له.
وهذا الكلام مِن أبي زرعة إنما قاله لمَّا بَلَغَه خبر صحيح مسلم، ولَمْ يكن الكتاب وقتها قد وقع تحت يده. حتى جاءه أحدُهم يومًا بنسخةٍ مِن الكتاب، فاطَّلع عليه وقال رأيه فيه. قال البرذعي ( [3] ) : «وأتاه ذات يومٍ - وأنا شاهدٌ - رجلٌ بكتاب الصحيح مِن رواية مسلم، فجعل ينظر فيه. فإذا حديثٌ عن أسباط بن نصر، فقال لي أبو زرعة:"ما أَبْعَدَ هذا مِن الصحيح! يُدخل في كتابه أسباط بن نصر!". ثم رَأَى في الكتاب قطن بن نسير، فقال لي:"وهذا أَطَمُّ مِن الأول! قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت، جعلها عن أنس". ثم نظر فقال:"يَروي عن أحمد بن عيسى المصري في كتابه الصحيح!". قال لي أبو زرعة:"ما رأيتُ أهل مصر يشكُّون في أنَّ أحمد بن عيسى"وأشار أبو زرعة بيده إلى لسانه كأنه يقول: الكذب. ثم قال لي:"يُحدِّث عن أمثال هؤلاء، ويترك عن محمد بن عجلان ونظرائه! ويُطَرِّق لأهل البدع علينا، فيجدون السبيل بأن يقولوا لحديثٍ إذا احتُجَّ عليهم به: ليس هذا في كتاب الصحيح". ورأيته يذمُّ وَضْعَ هذا الكتاب ويؤنِّبه» . اهـ
فبناءً على هذه المطالعة السريعة، انتقد أبو زرعة صحيح مسلم مِن وجوه: مِنها أنه أدخَل فيه رُواةً متكلَّمًا فيهم، وأهل العلم لا يحتجُّون بمثل هذه الأحاديث. ومِنها أنه لَمْ يُخرج في صحيحه عن رواةٍ ثقات مشهورين، مع أنَّ أهل العلم لا يزالون يحتجُّون بحديثهم. ومِنها أنَّ في اقتصاره على الأحاديث التي أخرجها ذريعةً لأهل البدع أن يَرُدُّوا الأحاديث الصحيحة الأخرى بدعوى أنها لَمْ يُخرجها مسلم في كتابه. هذه المطالعة سريعةٌ .. نعم، لأنه لَمْ يتسع الوقت لأبي زرعة ليتتبَّع كتابًا بهذا الحجم فينظر في أسانيده ومتونه. والدليل على ذلك أمران: أحدهما أنَّ فيه رواةً قد نَصَّ هو على ضعفهم وجرَّح بعضَهم لبدعتهم، ومع ذلك لَمْ يقع عليهم نظره. والآخر: أنَّ مسلمًا لَمْ يترك ابن عجلان كما قال، فحديثه محتجٌّ به في كتابه!
[1] - سؤالات البرذعي لأبي زرعة ص375.
[2] - تاريخ دمشق لابن عساكر 58/ 93.
[3] - سؤالات البرذعي لأبي زرعة ص375 فما بعد.