يمكننا تلخيص مذهب هذا الرجل بناءً على ما ذَكَرَه مسلم عنه، فنقول إنَّ مذهبه كالتالي: خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجةٌ يلزم به العمل، شريطة أن نعلم أنَّ أحدهما قد سمع مِن صاحبه، أو كانا التقيا مرةً فصاعدًا. وهذا يعني أنَّ كل إسنادٍ لحديثٍ فيه (فلان عن فلان) وكانا في عصرٍ واحدٍ وسماعُ هذا مِن ذاك جائزٌ، ولكننا لا نعلم له سماعًا مِنه ولا لقاءً له: فهذا الإسناد لا تقوم به حجة. ويكون الخبرُ حينئذٍ متوقَّفًا فيه حتى يثبت السماع أو اللقاء. ويتبيَّن مِن هذا أنَّ شرط الاتصال بين المتعاصرَيْنِ في ذلك المذهب إنما يتحقَّق بأحد أمرين: إمَّا ثبوت السماع وهذا الأَوْلَى، وإمَّا ثبوت اللقاء. ولا يُشترط لهذا الثبوت أن يكون في كل حديث حديث، بل يكفي وقوعه ولو مرةً واحدة، فتُحمَل حينئذٍ باقي الأحاديث الأخرى على الاتصال.
وقد استعمل مسلم أوصافًا في حقِّ ذلك الرجل الذي يَرُدُّ عليه، بحيث إنَّ التأمُّل فيما وراءها قد يقرِّبنا مِن معرفته أو تمييزِ غيرِه عنه. فقد وصفه مسلم بأنه عَصْرِيُّه، ومِن المشتغلين بعلل الأحاديث. فذلك قوله: «بعض منتحلي الحديث مِن أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها» . وهذا قد يعني أنَّ مسلمًا لمَّا كتب صحيحَه كان ذلك الرجلُ على قيد الحياة. يؤكِّده أنَّ مسلمًا لمَّا قال في رَدِّه: «أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا» ، افترض أنَّ خصمه سيقول له في ردِّه: «وجدتُ رواة الأخبار قديمًا وحديثًا» . ثم هذا الرجل ليس مِن شيوخ مسلم الذين أَخَذَ عنهم ولا مِن طبقة شيوخهم، فإنَّ هذه الطبقة التي جاءت بعد أئمة السلف لَمْ تكن تقول بهذا المذهب بحسب ما يراه مسلم. وذلك قوله: «أئمة السلف مِمَّن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها - مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومَن بعدهم مِن أهل الحديث» .
على أنَّ هذا الرجل الذي تصدَّر للكلام في تصحيح الأحاديث وتسقيمها ليس مجهولًا حتى لا يؤبه له، بل قد بَدَا لمسلم أنَّ أَمْرَه آخِذٌ في الاشتهار. ولذلك تولَّى الردَّ عليه تحسُّبًا لِمَا سيؤول إليه قولُه هذا في قابل الأيام، فخشي على الجُهَّال أن يأخذوا بتعليله للأسانيد اغترارًا به. فذلك قوله: «تخوَّفنا مِن شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور وإسراعهم إلى اعتقاد خطإ المخطئين والأقوال الساقطة عند العلماء» . وأصحاب الأقوال العريضة الذين قد تروج أقوالهم ليسوا هم مِن المجاهيل عند طلاب العلم فضلًا عن الأساتذة، لأنه حتى أصحاب المذاهب الباطلة كانوا معروفين لدى عامة المشتغلين بهذا العلم. فكيف بمَن تكلَّم في التصحيح والإعلال وفَصَلَ بين الوصل والإرسال وأَخْضَعَ السماعَ للاستدلال؟ وإنما تعمَّد مسلمٌ الحَطَّ مِن شأن هذا الرجل اعتقادًا مِنه بأنه خارجٌ عن إجماع السلف وينبغي التحذير مِنه، وجَعَلَ مِن التنصيص على مذهبه أمارةً على معرفة شخصه لدى أهل عصره، أو هكذا أَفْهَمُ مِن صنيعه. والله أعلم. ورحم الله مسلمًا وسائر أئمتنا أجمعين.