فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 153

أراد الشيخ أبو غدة تحديدَ مَن شنَّع عليه مسلم في مقدمة صحيحه بسبب الحديث المعنعن، فاعتمد في ذلك على التاريخ الذي ذكره العراقي لتأليف صحيح مسلم. فقال في التتمَّة الثالثة مِن تعليقه على الموقظة ( [1] ) : «قال الحافظ الذهبي في"سير أعلام النبلاء"12: 566، في ترجمة (مسلم بن الحجاج) :"قال أحمد بن سلمة: كنتُ مع مسلم بن الحجاج في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة". انتهى. وجاءت العبارة في"تذكرة الحفاظ"للذهبي أيضًا 2: 589 بلفظ:"كتبتُ مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة، وهو اثنا عشر ألف حديثٍ مسموعة". انتهى. وقال الحافظ العراقي في حاشيته على"مقدمة ابن الصلاح"ص14:"قال أبو الفضل أحمد بن سلمة: كنتُ مع مسلم بن الحجاج في تأليف هذا الكتاب سنة خمسين ومئتين". انتهى. فأفاد النصُّ الأولُ الذي نقله الذهبي أنَّ مسلمًا بقي في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة. وأفاد النص الثاني الذي نقله الحافظ العراقي - بربطه مع النص الأول - أنه فرغ مِن تأليفه سنة 250. فيكون مسلم قد بدأ في تأليفه سنة 235، حين كانت سِنُّه 29 سنة. وانتهى مِنه حين كانت سِنُّه 44 سنة. وقد عاش بعد الفراغ مِن تأليفه 11 سنة» . اهـ

قلتُ: مَن يتأمَّل كلتا العبارتين يجد أنَّ هذا نَصٌّ واحدٌ لا نَصَّان كما رأى أبو غدة، إذ عبارة الذهبي هي المعتمدة لأنه ناقلٌ عن التواريخ. وأمَّا عبارة العراقي فلا يُسَلَّم بها بل الأشبه أنها مِن كيسه، فإنه قال في نكته على مقدمة ابن الصلاح ( [2] ) : «قوله: (وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج) . انتهى كلامه. اعتُرض عليه بقول أبي الفضل أحمد بن سلمة:"كنتُ مع مسلم بن الحجاج في تأليف هذا الكتاب سنة خمس ومائتين". هكذا رأيته بخطِّ الذي اعتَرض على ابن الصلاح:"سنة خمس ومائتين"فقط. وأراد بذلك أنَّ تصنيف مسلم لكتابه قديم، فلا يكون تاليًا لكتاب البخاري. وقد تصحَّف التاريخ عليه، وإنما هو:"سنة خمسين ومائتين"بزيادة الياء والنون. وذلك باطلٌ قطعًا، لأنَّ مولد مسلم رحمه الله سنة أربع ومائتين. بل البخاري لَمْ يكن في التاريخ المذكور صنَّف فضلًا عن مسلم، فإنَّ بينهما في العمر عشر سنين» . اهـ

والخطأ هنا كما هو بيِّنٌ مِن ذلك المعترض على ابن الصلاح لأنه نَقَلَ العبارة على التوهم: فإنه أثبت فيها كلمة (سنة) والعدد (خمس) كما في الأصل، وأما العدد (عشرة) فانقلب عليه وصار (مائتين) . فهكذا تحوَّل عنده قول أحمد بن سلمة: «خمس عشرة سنة» إلى: «سنة خمس ومائتين» . فزَادَ عليه العراقي فأصلح هذا الخطأ بخطإٍ آخر، فجعل الخمس خمسين لتستقيم له تواريخ الأئمة. ومسلم لَمْ يؤلِّف كتابه في سنة واحدة حتى يقال إنَّ أحمد بن سلمة قَصَدَ أنه حَضَرَ التأليفَ في هذه السنة، بل المقصود هو ملازمته لمسلم وطول صحبته له في أثناء عمله في هذا الكتاب. فنَقْلُ الذهبي إذًا هو المقدَّم على نَقْل العراقي.

حينئذٍ احْتَجْنا إلى النظر في ترتيب الحوادث في ذلك العصر، واستنباط شيءٍ مِن المسكوت عنه فيها، حتى نقف على السياق الذي وَرَدَ فيه كلامُ أبي زرعة. فأَوَّلُ ذلك أنَّ الرغبة في تصنيفِ كتابٍ يجمع ما صَحَّ مِن أخبار النبي صلى الله عليه وسلم كانت باديةً في تلاميذ إسحاق بن راهويه بنيسابور، صرَّح بذلك أبو عبد الله البخاري لمَّا ذَكَرَ سببَ تأليفه لصحيحه فقال ( [3] ) : «كنتُ عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا:"لو جمعتم كتابًا مختصرًا لسنن النبي صلى الله عليه وسلم". فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع هذا الكتاب» . اهـ فكأنَّ هذه الفكرة قد اختمرت في رأس عددٍ مِن تلاميذ ابن راهويه، فما وقع في قلب البخاري قد وقع في قلبِ غيرِه أيضًا. وقد سئل مسلم أن يضع كتابًا في ذلك كما أفصح عنه في مقدمة صحيحه، والأشبه أنَّ هذا السائل هو صاحِبُه ورفيقُه أحمد بن سلمة الذي لَزِمَه في تأليفه سنين عددًا. قال الخطيب البغدادي في ترجمة أحمد بن سلمة ( [4] ) : «وافَقَ مسلمَ بن الحجاج في رحلته إلى قتيبة بن سعيد، وفي رحلته الثانية إلى البصرة. وكَتَبَ بانتخابه على الشيوخ، ثم جَمَعَ له مسلمٌ الصحيحَ في كتابه» . اهـ ويظهر مِن ذلك أنَّ مَسْعَى مسلمٍ في جَمْع الصحيح قديمٌ، لأنه مكث فيه هذه السنوات الخمس عشرة إلى أن فرغ مِنه وأخرجه للناس.

وقد جاء عن أحمد بن سلمة تحديدٌ لمدة صحبته لمسلم، فقال أحمد بن بالويه العفصي ( [5] ) : «سمعتُ أحمد بن سلمة يقول: صحبتُ مسلم بن الحجاج مِن سنة سبع وعشرين إلى أن دفنته سنة تسع وخمسين ومائتين» . اهـ وقد خالَفه في سنة وفاة مسلم قِرْنُه مكيُّ بن عبدان فقال ( [6] ) : «إحدى وستين ومائتين» ، وبه قال ابن الأخرم ( [7] ) وزاد ( [8] ) : «وهو ابن خمس وخمسين سنة» . اهـ فهذا هو المشهور، إلاَّ أن يكون ذِكْرُ سنة الوفاة في كلام أحمد بن سلمة مِن إدراج العفصي، وهذا متجه. ولعلَّ مِن ثمرة هذا الاختلافِ الاختلافُ في تاريخ ولادته أيضًا، فقال بعضهم: 204 هـ، وقال آخرون: 206 هـ. فالفارق بين كلا التاريخين سنتان أيضًا، وهو بالاعتبار بعمر مسلم عند وفاته كذلك.

هذا ومِمَّا يعضد ما رواه العفصي عن أحمد بن سلمة في ابتداء ملازمته لمسلم سنة 227 هـ أنَّ الذهبي قال إنَّ مسلمًا بعد رجوعه إلى وطنه مِن رحلة الحج سنة 220 هـ ارتحل مرةً أخرى قبل سنة 230 هـ ( [9] ) ، فهذه الرحلة الثانية هي المقصودة. فإذا حسبنا الخمس عشرة سنة التي قضاها مسلم في جَمْعِ صحيحه ابتداءً مِن تاريخ ملازمة أحمد بن سلمة له، لأمكننا القول إنَّ مسلمًا قد فرغ مِن تأليفه سنة 242 هـ. وذلك بعد وفاة يحيى بن معين 233 هـ وابن المديني 234 هـ وابن راهويه 238 هـ وأحمد بن حنبل 241 هـ. وقد كَتَبَ مسلم هذه النسخة الأولى مِن صحيحه بخط يده، وكانت عند ابن الأخرم بنيسابور ( [10] ) ، واطلع عليها الدارقطني كما صرَّح بذلك في الحديث التاسع عشر مِن استدراكاته على مسلم آنفًا. وهذه النسخة قد تركها مسلم فيما بعد، وقد سَلَفَ الاستدلال على ذلك وسيأتي أيضًا.

وقد أُعجب بكتاب مسلم غيرُ واحدٍ مِن حفاظ عصره في حياته وبعد مماته، فأخرج فضلك الرازي كتابًا على مثاله، كما سيأتي في كلام البرذعي. بل إنَّ أحمد بن سلمة نفسه قد عمل عليه صحيحًا له فيما بعد ( [11] ) . وقال الذهبي عن صحيح مسلم ( [12] ) : «فلمَّا رآه الحفاظ أعجبوا به، ولَمْ يسمعوه لنزوله. فعمدوا إلى أحاديث الكتاب فساقوها مِن مروياتهم عاليةً بدرجةٍ وبدرجتين ونحو ذلك، حتى أتوا على الجميع هكذا. وسمَّوه: المستخرج على صحيح مسلم» . اهـ ومِمَّا زاد في الإعجاب به أنَّ صاحِبَه قد صنفه ولَمْ يبلغ الأربعين مِن عمره وفقًا لِمَا حسبناه.

[1] - الموقظة للذهبي ص318 فما بعد.

[2] - التقييد والإيضاح للعراقي ص25.

[3] - تاريخ بغداد للخطيب 2/ 8.

[4] - تاريخ بغداد للخطيب 4/ 408.

[5] - الأنساب للسمعاني 9/ 331.

[6] - تاريخ دمشق لابن عساكر 58/ 94.

[7] - تاريخ بغداد للخطيب 13/ 104.

[8] - صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح ص62 نَقَلَه مِن كتاب المزكين للحاكم.

[9] - سير أعلام النبلاء 12/ 558.

[10] - تاريخ دمشق لابن عساكر 14/ 278.

[11] - تاريخ بغداد للخطيب 4/ 408، والأنساب للسمعاني 9/ 331، وكان ذلك في آخر حياة مسلم كما في سير الذهبي 12/ 342 فما بعد.

[12] - سير أعلام النبلاء للذهبي 12/ 569 فما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت