فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 153

وخرج البخاري مِن نيسابور ولَمْ يُرِدْ أن يذهب إلى بخارى، فرجع إلى فربر وأقام بها. وكان قد فرغ مِن تصنيف صحيحه فحدَّث به هناك، وسمعه مِنه محمد بن يوسف الفربري أول مرةٍ في سنة 253 هـ ( [1] ) . وكان البخاري قد مكث في تصنيفه بضع عشرة سنة كما رَوَى عنه إبراهيم بن معقل ( [2] ) ، أو ست عشرة سنة كما في روايةِ غيرِه ( [3] ) . وهذا يعني أنَّ ابتداء تصنيفه للصحيح كان في حدود سنة 237 هـ قبل وفاة إسحاق بن راهويه. فلمَّا عزم على تصنيفه رجع مِن عند ابن راهويه إلى فربر، وهناك اتخذ ورَّاقًا له وهو محمد بن أبي حاتم فَحَلَّ مِنه محلَّ الولد كما قال عن نفسه ( [4] ) . وكان للبخاري بها تجارةٌ وأرضٌ وأموال، وكان ينفق كثيرًا على طلاب العلم. وقد حَكَى ورَّاقُ البخاري شيئًا مِن شمائله، وذكر قصصًا له معه في فربر أثناء تصنيفه للصحيح ( [5] ) . ثم خرج البخاري إلى نيسابور ( [6] ) ، ومِنها إلى العراق خرجته الأخيرة. فدخلها بعد موت الإمام أحمد وأقام بالبصرة يصنِّف، حتى خرج مِنها إلى الري كما سلف.

وقد صاحَبَه محمد بن أبي حاتم في أسفاره ورحلاته، حتى رجع إلى فربر في آخر حياته سنة 253 هـ. وقد كان يعقوب الصفار في ذلك الوقت يقاتل بني طاهر المتسلِّطين على خراسان، فسقطت هراة في يد الصفار في تلك السنة ( [7] ) . وكان البخاري إذ ذاك يصنِّف كتاب التفسير الكبير، فخشي مِن مداهمة جيش الصفارين لفربر وهي ثغرٌ مِن الثغور، فكان إذا أَجْهَد نفسَه في التصنيف استراح حتى يستجمع قوته ويأخذ أهبته. قال محمد بن أبي حاتم ( [8] ) : «ورأيته استلقى على قفاه يومًا ونحن بفربر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه في ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث. فقلت له: يا أبا عبد الله، سمعتك تقول يومًا: إني ما أتيتُ شيئًا بغير علمٍ قط منذ عقلتُ. فأيُّ علمٍ في هذا الاستلقاء؟ فقال: أتعبنا أنفسنا في هذا اليوم. وهذا ثغرٌ مِن الثغور، خشيتُ أن يحدث حدثٌ مِن أمر العدو. فأحببتُ أن أستريح وآخذ أهبة ذلك، فإنْ غافَصَنا العدوُّ كان بنا حراك» . اهـ

ومكث البخاري يحدِّث بصحيحه في فربر حتى سنة 255 هـ. فقد روى غنجار في تاريخ بخارى، عن الكشاني، عن محمد بن يوسف الفربري أنه قال ( [9] ) : «سمعتُ الجامع الصحيح مِن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بفربر في ثلاث سنين: في سنة ثلاث وخمسين، وأربع وخمسين، وخمس وخمسين ومائتين» . اهـ وقد أثبت أبو زيد المروزي تاريخ هذا السماع الأول، فقال في سند روايته للصحيح ( [10] ) : «نا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري بفربر في ذي القعدة سنة ثماني عشرة وثلاثمائة قال: نا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري رحمه الله سنة ثلاث وخمسين ومائتين» . اهـ فهذا هو المعتمد في تاريخ سماع الفربري لصحيح البخاري. وأمَّا ما ذكره الكلاباذي بقوله ( [11] ) : «وكان سماعُه محمدَ بن إسماعيل مرتين: مرة بفربر سنة 248 ومرة ببخارى في سنة 252» . اهـ فينقضه أنَّ البخاري في سنة 248 هـ كان قادمًا مِن العراق إلى الري، ثم مِن الري إلى نيسابور سنة 250 هـ وأقام بها بضع سنين. فمِن أين له أن يأتي فربر في ذلك الوقت؟ فما رواه الكشاني عن الفربري هو الأَوْلَى والأجدر بالقبول.

[1] - التقييد لابن نقطة ص126.

[2] - تاريخ دمشق لابن عساكر 52/ 73.

[3] - تاريخ بغداد للخطيب 2/ 14.

[4] - تاريخ الإسلام للذهبي 6/ 158.

[5] - نفس الموضع السابق.

[6] - قال وراق البخاري إن البخاري اشترى وهو بفربر جارية، ثم لم تزل عنده حتى أخرجها معه إلى نيسابور. تاريخ الإسلام للذهبي 6/ 156.

[7] - الكامل في التاريخ لابن الأثير 6/ 248 وتاريخ ابن خلدون 3/ 367.

[8] - تاريخ بغداد للخطيب 2/ 14.

[9] - التقييد لابن نقطة ص126.

[10] - تقييد المهمل للغساني 1/ 59.

[11] - رجال البخاري للكلاباذي ص24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت