فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 153

ويبدو أنَّ البرذعي أشفق على مسلم مِن هذا النقد اللاذع الذي وجَّهه له شيخُه، فاهتبل فرصة خروجه إلى نيسابور فالتقى بمسلم وأبلغه بما قاله أبو زرعة. قال البرذعي ( [1] ) : «فلمَّا رجعتُ إلى نيسابور في المرة الثانية، ذَكَرْتُ لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه روايته في هذا الكتاب عن أسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسى. فقال لي مسلم:"إنما قلتُ: (صحيح) ، وإنما أدخلتُ مِن حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم. إلاَّ أنه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي مِن روايةِ مَن هو أوثق منهم بنزول. فأقتصر على أولئك، وأَصْلُ الحديث معروفٌ مِن رواية الثقات"» . اهـ

ثم عزم مسلم على الخروج إلى الري بعدما سمعه مِن البرذعي، إذ صاحِبُ الكتاب أَوْلَى بالدفاع عنه مِن غيره. فلمَّا دخلها، توجَّه إلى ابن وارة وقد أخذ نفس موقف أبي زرعة مِن صحيح مسلم. قال البرذعي ( [2] ) : «وقَدِمَ مسلم بعد ذلك إلى الري، فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وارة. فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب، وقال له نحوًا مِمَّا قاله أبو زرعة: إنَّ هذا يُطَرِّق لأهل البدع علينا. فاعتذر إليه مسلم وقال:"إنما أخرجتُ هذا الكتاب وقلتُ: هو صحاح، ولَمْ أَقُلْ: إنَّ ما لَمْ أخرجه مِن الحديث في هذا الكتاب ضعيف. ولكني إنما أخرجتُ هذا مِن الحديث الصحيح ليكون مجموعًا عندي وعند مَن يكتبه عني، فلا يُرتاب في صحتها. ولَمْ أَقُلْ: إنَّ ما سواه ضعيف". ونحو ذلك مِمَّا اعتذر به مسلم إلى محمد بن مسلم، فقبل عذره وحدَّثه» . اهـ

وانطلق مسلم إلى أبي زرعة ومعه صحيحه، فربما يلطِّف مجيئُه إليه مِن حِدَّة انتقاده له. فَعَرَضَ الكتابَ عليه وسأله أن يعلِّم له على الأحاديث المعلولة. قال أبو علي الغساني ( [3] ) : «ورُوِّينا عن أبي حاتم مكي بن عبدان قال: سمعتُ مسلم بن الحجاج يقول:"لو أنَّ أهل الحديث يكتبون الحديث مائتي سنة، لكان مدارُهم على هذا المسند". يعني مسند الصحاح. قال مكي: وسمعتُ مسلمًا يقول:"عرضتُ كتابي هذا المسند على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار عليَّ في هذا الكتاب أنَّ له علةً وسببًا تركتُه، وكل ما قال إنه صحيحٌ ليس له علةٌ فهو هذا الذي أَخرجتُ"» . اهـ ويظهر أنَّ ذلك كان مِن مسلم تبجيلًا لأبي زرعة وإقرارًا بمنزلته في هذا الفن، وكذلك إعلامًا مِنه لأبي زرعة بأنه لا يبتغي رياسةً ولا غير ذلك مِمَّا قاله، وإنما كان غرضه مِن تأليفِ هذا الكتاب جَمْع السنن والأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد طَعَنَ بعضُ إخواننا في ثبوت هذا النقل عن مكي بن عبدان اعتمادًا على ذِكْر ابن الصلاح له بصيغة البلاغ ( [4] ) ، فكأنه لَمْ يقف عليه عند الغساني.

والظاهر أنَّ موقف أبي زرعة مع ذلك لَمْ يتغيَّر كثيرًا، فقد ظَلَّ في نفسه مِن هذا الكتاب كما سيأتي أيضًا. فإنه قد لَبَّى لمسلم طَلَبَه إكرامًا له ولِمَا وَجَدَه مِن تواضعه، ولكنه مع ذلك لَمْ تَحْمِلْهُ نفسُه على أن ينشط فيتتبَّع كل أحاديث الكتاب، وإنما كان يُعمِل نظره فيه كما أعمله أول مرة. ومِن المؤكَّد أنَّ أبا زرعة قد وقف على شيءٍ مِن تميُّز مسلم في هذا الشأن لمَّا جالسه، خصوصًا وأنَّ مذاكرة مِثل هذا الحافظ لَمْ يكن يقوم بها إلاَّ مَن كان قريبًا مِن منزلته في الحفظ والضبط. لكن يبدو أنَّ أبا زرعة كان لَمْ يَزَلْ عائبًا على مسلم تَرْكَه الرواية عن شيخه الذهلي، وقد تجلَّى ذلك في صحيحه إذ لَمْ يُخرج فيه عنه شيئًا! مع أنه لو كان رَوَى عنه في كتابه، لاستغنى بكثيرٍ مِن حديثه عن الأسانيد النازلة ولأدخل فيه كثيرًا مِن الحديث الصحيح. قال أبو قريش القهستاني ( [5] ) : «كنا عند أبي زرعة الرازي، فجاء مسلم بن الحجاج فسلَّم عليه وجلس ساعةً وتذاكرا. فلمَّا أن قام، قلتُ له: هذا جَمَعَ أربعة آلاف حديثٍ في الصحيح. فقال أبو زرعة:"لِمَ تَرَكَ الباقي!". وقال:"ليس لهذا عقل؟ لو دارَى محمد بن يحيى لصار رجلًا» . اهـ"

ولعلَّ مِن ثمرة هذه الرحلة وتلك الملاحظات التي أبداها أبو زرعة بحسب ما سمح به هذا الظرف: أنَّ مسلمًا لمَّا رجع إلى نيسابور، أَصْلَحَ كثيرًا مِن الخلل في كتابه وأعاد النظر في عددٍ مِن الأحاديث التي أخرجها، وحذف مِنه وأضاف. وكان مِمَّا نقَّحه فيه أنه أدخل فيه حديثًا سمعه مِن أبي زرعة في الدعاء ( [6] ) ، وهذا مِن رواية الأقران. قال النووي ( [7] ) : «وهذا الحديث رواه مسلم عن أبي زرعة الرازي أحد حفاظ الإسلام وأكثرهم حفظًا، ولَمْ يَرْوِ مسلم في صحيحه عنه غير هذا الحديث، وهو مِن أقران مسلم» . اهـ ومِمَّا يدلُّ على أنه لَمْ يكن في النسخة القديمة أنَّ الدارقطني في تصنيفه لرجال الصحيحين لَمْ يَذكر أبا زرعة ضمن رجال مسلم. ويَظهر مِن ثمار هذه الرحلة أيضًا أنَّ مسلمًا أصلح ما بينه وبين شيخه الذهلي فيما بعد، وجعل يختلف إلى مجلسه.

[1] - سؤالات البرذعي لأبي زرعة ص377.

[2] - نفس الموضع السابق.

[3] - تقييد المهمل للغساني 1/ 67.

[4] - صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح ص67.

[5] - تاريخ دمشق لابن عساكر 58/ 93.

[6] - صحيح مسلم 2739.

[7] - شرح صحيح مسلم للنووي 17/ 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت