فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 153

وقد سَبَقَ الدارقطنيَّ إلى إبراز هذه العِلَّة: النسائيُّ وابنُ عمار الشهيد، ووافقه على إعلال الحديث ابن القطان والعلائي وابن رجب.

فقال النسائي بعد أن ذَكَرَ رواية يحيى بن أبي كثير ( [1] ) : «وخالفه معاوية بن سلام: رواه عن أخيه زيد، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك» . اهـ

وقال ابن عمار ( [2] ) : «ورَوَى مِن حديث أبان العطار، عن يحيى بن أبي كثير: أنَّ زيدًا حدثه: أنَّ أبا سلام حدثه، عن أبي مالك الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الطهور شطر الإيمان} . وفيه كلامٌ آخر. قال أبو الفضل: بَيْن أبي سلام وبين أبي مالك الأشعري في إسناد هذا الحديث: عبد الرحمن بن غنم الأشعري. رواه معاوية، عن أخيه زيد. ومعاوية كان عندنا أَعْلَمَ بحديث أخيه زيد بن سلام مِن يحيى بن أبي كثير» . اهـ

وقال ابن القطان ( [3] ) : «وقد نبَّه الناسُ على انقطاع ما بين أبي سلام وأبي مالك في هذا الحديث، وعَدُّوه مِن الأحاديث المنقطعة في كتاب مسلم» . اهـ وقال العلائي بعد أن أورد هذا الإعلال ( [4] ) : «فتكون رواية مسلم منقطعةً لسقوط ابن غنم مِنها» . اهـ وكذا قال ابن رجب ( [5] ) : «وحينئذٍ فتكون رواية مسلم منقطعة» . اهـ

هذا وقد حَكَمَ الذهبيُّ على ما يرويه أبو سلام عن أبي مالك الأشعري بالانقطاع نظرًا إلى تاريخ وفاة أبي مالك، فقال ( [6] ) : «قال ابن سميع: أبو مالك الأشعري قديم الموت بالشام، اسمه كعب بن عاصم. وقال ابن سعد: توفي أبو مالك في خلافة عمر. وقال شهر بن حوشب، عن ابن غنم قال: طُعن معاذ وأبو عبيدة وأبو مالك في يومٍ واحد. قلتُ: فعلى هذا روايةُ أبي سلام ومَن بعده عن أبي مالك مرسلةٌ منقطعةٌ، وهذا الإرسال كثيرٌ في حديث الشاميين» . اهـ وقال ابن حجر في معرض التفريق بين أبي مالك الأشعري والحارث بن الحارث الأشعري ( [7] ) : «ومِمَّا أَوْقَعَ أبا نعيم في الجمع بينهما أنَّ مسلمًا وغيره أخرجوا لأبي مالك الأشعري حديث: {الطهور شطر الإيمان} مِن رواية أبي سلام عنه، بإسناد حديث: {إنَّ الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات} سواء. وقد أخرج أبو القاسم الطبراني هذا الحديث بعينه بهذا الإسناد في ترجمة الحارث بن الحارث الأشعري في الأسماء. فإمَّا أن يكون الحارثُ بن الحارث يكنى أيضًا أبا مالك، وإمَّا أن يكونا واحدًا. والأول أظهر، فإنَّ أبا مالك متقدم الوفاة» . اهـ وقال أيضًا ( [8] ) : «أبو مالك الأشعري الذي روى عنه أبو سلام الأسود وشهر بن حوشب ومَن في طبقتهما هو الحارث بن الحارث الأشعري. وقد قدَّمتُ في ترجمته ما يدلُّ على ذلك، وبيَّنتُ أنه تأخرت وفاته. وأبو مالكالأشعري هذا فهو آخر قديمٌ، كما تقدَّم هنا أنه مات في خلافة عمر هو ومعاذ بن جبل وغيرهما» . اهـ

وقد أُجيب عن ذلك الإعلال بجوابين: أحدهما: أنَّ أبا سلام رواه عن ابن غنم عن أبي مالك، ثم رواه عن أبي مالك لَمَّا سمعه مِنه. وآخَر: أنَّ أبا سلام رواه عن ابن غنم عن أبي مالك الأشعري، ورواه أيضًا عن الحارث الأشعري وهو غير أبي مالك.

قال النووي ( [9] ) : «ويمكن أن يجاب لمسلم عن هذا: بأنَّ الظاهر مِن حال مسلم أنه عَلِمَ سماعَ أبي سلام لهذا الحديث مِن أبي مالك، فيكون أبو سلام سمعه مِن أبي مالك وسمعه أيضًا مِن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك. فرواه مرةً عنه، ومرةً عن عبد الرحمن. وكيف كان، فالمتن صحيحٌ لا مطعن فيه» . اهـ

• قلتُ: لو أنه قال إنَّ مسلمًا قد صحَّحه على مقتضى مذهبه في إمكان اللقاء لكان أوقع.

وقال ابن حجر ( [10] ) : «وأمَّا إدخال عبد الرحمن بن غنم بين أبي سلام وأبي مالك، فيحتمل أن يكون الحديث عند أبي سلام بإسنادين: أحدهما عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك. والآخر عن الحارث بن الحارث الأشعري. والحارث أيضًا يكنى أبا مالك، لكنْ أبو مالك شيخ عبد الرحمن بن غنم غيرُه فيما يظهر لي» . اهـ

• قلتُ: وهذا الجَمْعُ مِن ابن حجر لا يلتئم، وهو نفسُه قد رَدَّ القولَ بأنَّ الحارث يُكنى أبا مالك! ( [11] ) وهذا الحديث قد اختَلف يحيى بن أبي كثير ومعاوية بن سلام عن زيد بن سلام في إسناده، وليس للحارث الأشعري في هذا الحديث ناقةٌ ولا جمل ( [12] ) .

على أنَّ هنالك وجهًا آخر للانقطاع في هذا السند وهو ما بين يحيى بن أبي كثير وزيد بن سلام، ولذلك قُدِّمت رواية معاوية بن سلام على روايته لاتصالها. قال حرب بن شداد ( [13] ) : «قال لي يحيى بن أبي كثير: كل شيءٍ عن أبي سلام فإنما هو كتاب» . اهـ وقال حسين المعلم ( [14] ) : «لَمَّا قَدِمَ علينا يحيى بن أبي كثير، وجه إليَّ مطر أن احمل الدواة والقرطاس وتعال. قال: فأتيتُه فأخرج إلينا صحيفة أبي سلام. فقلنا له: سمعتَ مِن أبي سلام؟ قال: لا. قلتُ: فَمِنْ رجلٍ سمعه مِن أبي سلام؟ قال: لا» . اهـ

• قلتُ: أحاديث أبي سلام عند يحيى بن أبي كثير هي مِن كتاب حفيده زيد بن سلام، وقد أخذه مِن أخيه معاوية بن سلام ولَمْ يسمعه. قال يحيى بن حسان، عن معاوية ( [15] ) : «أَخَذَ مِنِّي يحيى بنُ أبي كثير كُتُبَ أخي زيد بن سلام» . اهـ

قال ابن معين ( [16] ) : «قَدِمَ معاويةُ بن سلام على يحيى بن أبى كثير، فأعطاه كتابًا فيه أحاديث زيد بن سلام، ولَمْ يقرأه ولَمْ يسمعه مِنه» . اهـ وقال أيضًا ( [17] ) : «لَمْ يَلْقَ يحيى بنُ أبي كثير زيدَ بن سلام. وقَدِمَ معاويةُ بن سلام عليهم، فَلَمْ يَسمع يحيى بنُ أبي كثير، أخذ كتابه عن أخيه، ولَمْ يسمعه فدلَّسه عنه. وأبو سلام ممطور وهو جد زيد بن سلام، ويحيى بن أبي كثير يقول: حَدَّثَ أبو سلام. ولَمْ يَلْقَه، ولَمْ يسمع مِنه شيئًا» . اهـ وقال ابن أبي خيثمة ( [18] ) : «وسئل يحيى بن معين: عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري؟ قال: لَمْ يسمع يحيى بن أبي كثير مِن زيد بن سلام» . اهـ

على أنَّ أحمد لَمْ يستبعد إمكان السماع، فقال أبو بكر الأثرم ( [19] ) : «قلتُ لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يحيى بن أبي كثير سمع مِن زيد بن سلام؟ فقال: ما أشبهه. قلتُ له: إنهم يقولون سمعها مِن معاوية بن سلام؟ فقال: لو سمعها مِن معاوية، لَذَكَرَ معاويةَ. هو يبيِّن في أبي سلام، يقول: (حدَّث أبو سلام) ، ويقول: (عن زيد) . أمَّا أبو سلام، فَلَمْ يَسمع منه» . اهـ وفَهِمَ ابنُ رجب مِن كلام أحمد أنه يُثبت سماع يحيى بن أبي كثير مِن زيد بن سلام، فقال ( [20] ) : «وأَثْبَتَ أحمدُ سماعَه مِنه، وإنْ أَنْكَرَه ابنُ معين» . اهـ

• قلتُ: ليس في كلام أحمد إثباتٌ للسماع، وإنما جَعَلَه محتملًا. يدلُّك على ذلك أنه بَيَّنَ أنَّ يحيى يروي عن زيد بالعنعنة بينما يروي عن أبي سلام منقطعًا، فصار الأمرُ على الاحتمال عنده لتفريق يحيى بين الصيغتين. وقول الأثرم: «إنهم يقولون سمعها مِن معاوية بن سلام» إنْ قَصَدَ به ابنَ معين، فغير صحيح. فَلَمْ يقل ابنُ معين إنَّ يحيى سمع هذه الأحاديث مِن معاوية، بل هو قال إنه أَخَذَ كتابَ زيد مِن أخيه معاوية ولَمْ يقرأه ولَمْ يسمعه، فهو لَمْ يسمع هذه الأحاديث مِن معاوية أيضًا.

أمَّا أبو حاتم فقد أثبت سماع يحيى مِن زيد، فقال ابن أبي حاتم ( [21] ) : «سمعتُ أبي يقول: سمعتُ يحيى بن معين يقول:"يحيى بن أبي كثير لم يسمع مِن زيد بن سلام شيئًا". قال أبي: وقد سمع منه. قال أبو حاتم: حدثنا أبو توبة، عن معاوية يعني ابن سلام قال: قال يحيى بن أبي كثير: قد كان أبوك يجيئنا فنسمع منه» . اهـ

• قلتُ: وقع هنا (أبوك) لا (أخوك) ! فالأشبه أن تكون محرَّفة. على أنَّ رواية أبي توبة هذه تَرُدُّها رواية يحيى بن حسان عن معاوية قال: «أَخَذَ مِنِّي يحيى بنُ أبي كثير كُتُبَ أخي زيد بن سلام» . ولمَّا سئل يحيى بن أبي كثير إن كان سمع أحاديث أبي سلام عمَّن سمعها مِنه، قال: «لا» .

وقد أَيَّدَ ابنُ القطان ابنَ معين في نَفْي السماع واللقاء، ولكنه احتمل عنده أن تكون رواية يحيى عن زيد إجازة. فقال بعد أن أورد هذا الحديث وحديثًا آخر بإسناده ( [22] ) : «واعلم أنَّ في هذين الحديثين موضعًا آخر للنظر، وهو ما بين يحيى بن أبي كثير وزيد بن سلام، فإنه قد قال ناسٌ: إنه منقطع» . وذَكَرَ قولَ ابن معين، ثم قال: «وعندي أنه مِمَّا يجب التثبُّت فيه، فإنه قد ذكر في نفس الإسناد أنَّ زيدًا حدَّثه في الحديثين جميعًا، والرجل أحد الثقات أهل الصدق والأمانة. والغالب على الظن أنَّ زيدًا أجازه أحاديثه، وبلَّغه إجازتَه أخوه معاوية، فحدَّث يحيى بها عنه قائلًا: (حدثنا) . وكان الأكملُ أن يقول: (إجازةً) . والرجل مِن مذهبه جواز التدليس، بل كان عاملًا به. فجاءت روايته عنه مظنونًا بها السماع، وليست بمسموعة» . ثم ذَكَرَ أقوالًا في تدليسه، وقال: «فينبغي على هذا أن يكون في مُعَنْعَنِ يحيى بن أبي كثير مِن الخلاف - بالقبول حتى يتبيَّن الانقطاع، أو الرد حتى يتبيَّن الاتصال - مثل ما في معنعن كل مدلس. ويزداد إلى ذلك في حديث يحيى بن أبي كثير أنه أيضًا ولو قال: (حدثنا) أو: (أخبرنا) ، فينبغي أن لا يُجزم بأنه مسموعٌ له، لاحتمال أن يكون مِمَّا هو عنده بالإجازة. أمَّا إذا صرَّح بالسماع، فلا كلام فيه. فإنه ثقةٌ حافظٌ صدوقٌ، فيُقبل مِنه ذلك بلا خلاف» . اهـ

ثم قال: «وقد ذكر أبو محمد رحمه الله حديث الحارث الأشعري في كتاب الجهاد في الإمارة، وهو حديثٌ طويلٌ، وحكى عن الترمذي تصحيحه. وهو إنما يرويه يحيى بن أبي كثير المذكور، عن زيد بن سلام المذكور: أنَّ أبا سلام حدثه: أن الحارث الأشعري حدثه، فذكره. ولم يقل فيه يحيى: (حدثنا زيد) ، إنما قال: (عن زيد) . فمثل هذا ينبغي أن يكون القول فيه إنه منقطع، لأنَّ يحيى لم يلق زيدًا. وإنما قلنا: لعله أجازه في الحديثين المتقدمين، لمكان قوله فيهما: (إنَّ زيدًا حدثه) . وهاهنا إذ لم يقل ذلك وهو لم يقله، فلا اتصال. وأمَّا الترمذي حيث صححه، فلَعَلَّه توهَّم أنه أجازه الكتاب أجمع، كما قدمنا الحكاية عن ابن معين مِن رواية الدوري عنه» . اهـ

• قلتُ: أمَّا اعتماد ابن القطان على قولهم: «أنَّ زيد بن سلام حدَّثه» ، فقد صرَّح أحمد بن حنبل بأنَّ يحيى إنما يقول في روايته: «عن زيد» . فالأشبه بالصواب أنَّ بعض الرواة إنما ذكروا صيغة التحديث هذه لَمَّا أرادوا أن ينسبوا زيدًا هذا، فأبدلوا بذلك صيغة العنعنة. وهذا هو صنيع أهل البصرة كما قال عبد الله بن محمد بن يسار ( [23] ) : «سمعتُهم يَذكرون بالبصرة، عن علي بن المديني قال: إذا حدَّثك الرجلُ فقال: (ثنا فلان) ولم ينسبه, فَقُلْ: (حدَّثنا فلان: أنَّ فلان بن فلان حدَّثه) » . اهـ يُبيِّنه أنَّ الرواة الذين رووه عن يحيى بالعنعنة لَمْ ينسبوا زيدًا، ومَن نسبوه مِنهم لَمْ يبدِّلوا العنعنة. فصار الاعتماد على هذه الصيغة في ثبوت الاتصال ليس بجيد. وحينئذٍ فقول يحيى بن معين هو الأشبه عندي، فإنه قد فسَّرَ عِلَّةَ الانقطاع في رواية يحيى عن زيد، ويشهد لقوله قولُ معاوية بن سلام في أنَّ رواية يحيى هذه مِن كتاب أخيه، وقولُ يحيى بن أبي كثير نفسِه في أنَّ أحاديث أبي سلام عنده أخذها مِن غير سماع. والله أعلم.

[1] - السنن الكبرى للنسائي 9924.

[2] - علل أحاديث صحيح مسلم لابن عمار الشهيد 3.

[3] - بيان الوهم والإيهام لابن القطان 2/ 377.

[4] - جامع التحصيل للعلائي ص137.

[5] - جامع العلوم والحكم لابن رجب ت الأرناؤوط 2/ 6.

[6] - تاريخ الإسلام للذهبي ت بشار 2/ 744.

[7] - تهذيب التهذيب لابن حجر 2/ 138.

[8] - السابق 12/ 218 فما بعد.

[9] - شرح صحيح مسلم للنووي 3/ 100.

[10] - النكت الظراف لابن حجر، بهامش تحفة الأشراف للمزي، المكتب الإسلامي، ط2، 1403هـ 1983م، 9/ 283.

[11] - قال أحمد الأقطش، مستدركًا على نفسه في موضع آخر: هذا وهمٌ منِّي، وابن حجر قد مال إلى أنَّ الحارث كنيته أبو مالك. فيُستدرك هذا.

[12] - وقد وهم ابن حجر في ذِكْره الحارث في إسناد هذا الحديث، ورَدَّ عليه الشيخ علي الحلبي في علل ابن عمار الشهيد، فانظره في موضعه.

[13] - المعرفة والتاريخ للفسوي 3/ 10 واللفظ له وعلل أحمد بن حنبل رواية المروذي وغيره 345 وتاريخ ابن أبي خيثمة السفر الثالث 1260.

[14] - المراسيل لابن أبي حاتم 892 وتاريخ ابن معين رواية ابن محرز 2/ 194 وروايته مختصرة.

[15] - المعرفة والتاريخ للفسوي 3/ 10 وتاريخ أبي زرعة الدمشقي ص374.

[16] - تاريخ ابن معين رواية الدوري 28.

[17] - السابق 3983 - 3984.

[18] - تاريخ ابن أبي خيثمة السفر الثالث 1263.

[19] - تهذيب الكمال للمزي 10/ 78 فما بعد.

[20] - جامع العلوم والحكم 2/ 95.

[21] - المراسيل لابن أبي حاتم 896 - 897.

[22] - بيان الوهم والإيهام 2/ 378 فما بعد.

[23] - الكفاية للخطيب البغدادي ص215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت