الصفحة 43 من 49

ومجاهدة النفس ليست بالشيء الهين؛ بل إن مجاهدة النفس أشق على العارفين من جهاد الأعداء، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» [1] ؛ فجهاد النفس مقدَّمٌ على جهاد العدو الخارجي وأصلٌ له؛ لأن من لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوِّه في الخارج؛ إذ كيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلِّطٌ عليه، لم يجاهده ولم يحاربه في الله؛ بل لا يمكنه الخروج إلى عدوِّه حتى يجاهد نفسه على الخروج.

وهذه عقبة كؤود لا ينجو منها سوى أهل المروءة والهمة العالية؛ وقد حذَّر الله - تعالى - عبادَه من اتِّباع الهوى والشَّهوات، فقال - سبحانه: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] .

وقال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ

(1) رواه أحمد وابن حبان وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت