علامة واضحة على حالها ومأساتها، وقد يظلم الليل وهي على ضوء سراجها الباهت تنتقل بين جدرانها، هذا إذا توفَّرت لديها عوامل إشعاله، أما إذا انعدمت فتراها قبيل الغروب تنطوي على فراشها دونما عشاء أو حتى شربة ماء، ووليدها ما يدري من تعاقب المناسبات أي فرش يغسله وأي سجاد جميل يغيره.
هذه المسكينة قد تخرج على عُكَّازها في شوارع القرية تريد علبةَ حليب من بقالة، وتَوَدُّ شيئًا من الغاز لتشعل، قد تتعرقل في مشيها، وقد تسقط في منحدر لها، وقد تتلفَّت فزعةً من أبواق السيارات، ووليدها يركب أجمل السيارات وأحدث الموديلات ...
في رمضان يزداد وضعُها أسى وحرقةً، تراها في النهار ذابلًا عودُها تَقْصُرُ خطاها، الجوع آلمها، العطش عانها، وفي وقت الإفطار لك أن تنظر؛ على طاولتها إناء مكسور به شربة ماء غير باردة، وتمرة شَوَّهَها الغبارُ فقط، لا أحد معها إلا عكازها، كل هذا وابنها يأكل ويشرب جميل خيرات الأرض، وفي العيد يخرج الناس سراعا عبارات الفرح ترتسم على محيَّاهم، أثواب العيد بَرَّاقة، مساكنهم مزدانةٌ بجميل الورود وأزكى الطَّيِّبات، وهي المسكينةُ في عشِّها الصَّغير، أثوابها ممزَّقة وكوخُها مكشوف، أسرتُها مهتَّكةٌ بالية، لا تعرف المسكينة عن العيد إلا أخبار المهنِّئين، فلا يسعها هذا الحال إلا أن يتسرب الدمع على وجنتيها رثاء حالها وشكوى معبرة