الصفحة 40 من 96

الرحمة كلمةٌ قامت عليها نواميسُ الكون، وهي تعبر عن جميل مكنون أولئك الرحماء، ولعل المتأمِّلَ لهذه الكلمة يدرك معنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن» [1] ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثلًا حيًّا لهذه الصفة؛ فهو الرحمةُ المهداةُ، ولو قَلَّبْتَ سيرتَه لرأيتَ عجبًا من هذا الخلق الكريم؛ أو لم تسمع بخبر الحمرة التي جاءت تفرك بجسمها أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تشتكي إليه فَقْدَ أبنائها وتهدم عشَّها، فثار هذا الخلق في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلًا: «مَنْ فَجَعَ هذه بولدها، ردُّوا عليها ولدَها» [2] ، وقد كان من دأب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمسح بيده على رؤوس اليتامى ليعوِّضَهم حنانَ الأَبَوَيْن، وها هو - صلى الله عليه وسلم - يذكر في حديثه تلك البَغيّ التي نالت رحمة الله عندما تخلقت بهذا الخلق فَسَقَتْ ذلك الكلبَ الذي يَلْهَثُ من العطش فَغَفَرَ اللهُ لها.

إن هذه المعاني تعلم الإنسان خلقَ الرحمة ليكون سلوكا حَيًّا له في حياته، ونظرة على واقع الناس اليوم يدرك معه نسيان هذا الخُلُق والتجافي عنه؛ فذلك

(1) روه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود، والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو.

(2) رواه أبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت