أتحدَّث اليومَ عن مشكلة تبدو ظاهرة، تلك التي تخرج إلينا في يوم عبارة عن ضجيج، وتبدو في يوم آخر نزغات دمع معبرة، وفي يوم ثالث تخرج صامتة مفكرة، لكن شكواها لوحة عارضة على وجهها، وفي يوم رابع تخرج صارخة بأصوات متداخلة تتخطَّى البيوتات ليقف المجتمع بشتى أصنافه يعاينون هذه الصورة المؤلمة، هذه الحالات متمثلة في حال أمٍّ عجوز على يد وليد لها في سن النُّضْج والكمال، الأم التي حملته كرها ووضعته كرها، الأم التي فرحت لفرحه، وبكت حزنا لمجرد بكائه، الأم التي عاشت يوما آلاما بأحزانه، الأم التي ازدادت فرحا بلقياه من ترحاله، الأم التي باتت تقامر ليلها سمرا لمرضه وأتعابه، كل هذه المعاناة لم تشفع لهذه المسكينة تجاه نزغ العواطف المريضة؛ فكم نادت يوما دون أن يسمع لها، وكم ساءلت دون أن يجيبها حتى انبحَّ صوتُها وآثرت المسكينةُ الصمتَ الحزينَ على الكلمة الضائعة دون حسبانها، الأم التي جاعت لتطعم وليدها، احتاجت اليوم وافتقرت فلم يمد يد العون لها، حتى ربما سألت جيرانها عشاء ليلة وطعام يوم، وربما تدثرت بثياب مهتَّكة، وهو يرفل في نعيم الحياة دونما شعور بفقرها وحاجتها، كوخها الصغير الذي تسكن فيه