فتجده نسي الدموعَ المتدفقةَ والمواقفَ المحزنةَ فتمطَّى الباطلَ ونبزَ بغير الحقِّ؛ بل تراه يشير بالعين الخاطئة ويخطو خطوات جريئة يبقى أثرها سيئًا على نفسه، وفجأة يعود الأنين مرة أخرى وتنساب الدموع مرة ثانية وتزداد صفحات الوجه لوعةً وأسى؛ لكن هذه الوهلةَ تجمَّعت هذه التعابير على فراق الشخص نفسه الذي أضجَّه أنين الناس قبل ذلك، فبكى الناس على فراقه وشكى الصديق أحزانه وبعثر الجار آلامه.
ومع تسارع الأيام يهدأ هؤلاء كلهم عن شكواهم وتذهب لوحةُ الأسى من وجوههم وتتحجَّر الدموعُ في أعينهم ليعاودوا السير في هذه الحياة من جديد، وكأنما أولئك لم يكونوا.
فتتَّضح صورة هذه الدنيا الباهتة أنَّها مجرَّدُ سراب، وأن هؤلاء الناس مهما كانت خلَّتُهم وشدةُ رباطهم إلا أن الأيامَ تكسر ذكراهم وتنسيهم أحبابَهم، حتى هم أنفسهم يعاد عليهم شريطُ هذه الذكريات؛ فهل لهذه اللحظة المتكررة من وقفة محاسَبَة؟!