إنَّ البحث وراء [الباعث الدافع] .. وعدم الوقوف عند [السبب القصدي] ، يجعل سعي من يريد الالتفاف على القاعدة القانونية، أو التوسل بوسيلة ما للوصول إلى الحالة الجرمية .. عسيرًا إن لم نقل مستحيلًا.
وهذا الباعث الدافع - أو الهدف البعيد غير الظاهر - مؤثر في موقف الفاعل، إذ تسعى الشرائع السماوية - وعلى وأسها الشريعة الإسلامية - إلى جعله هدفًا بعيدًا جدًا، ومؤشرًا جدًا، فتخلق [الوازع الذاتي] الذي يجعل من ذات المرء رقيبًا على ذات نفسه، بعد أن تجعل له هدفًا بعيدًا ومهمًا .. وهو: خشية العقاب المؤجل والحساب المؤخر، والطمع في النفع المنتظر، وبالتالي يسأل المرء نفسه - في ضوء هذه الفكرة - ألف مرة ومرة .. عن:
صحة هذا التصرف أو ذاك؟.
وهل يرضى الله - عز وجل - عنه أم لا؟.
كلُّ ذلك قبل الإقدام على أيِّ فعلٍ من الأفعال.
وكذلك كانت إجابات المفتين، وقضاء القضاة - في العصور المختلفة - على حسب الظواهر، على أن يسأل المرء عن المكتوم من أمره أمام الله .. وقد يُخوِّف أحدهما بالآخرة لكي لا يدلي بمعلومات خاطئة، تؤثر في صحة الجواب أو الحكم، ومن هذا المنطلق كان قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: {استفت قلبك وان أفتاك الناس وأفتوك} [1] .
فليس مجرد استحصال فتوى المفتى رافعًا للمؤاخذة عن المكلف، فإنما يفتي هؤلاء بحسب ما يعرض أولئك - المستفتون -.
وكذلك القضاة .. فتبقى مسؤولية الإنسان حيث هي ولا ينجيه حكم الدنيا.
فهذه الفكرة كانت وما تزال خير مسيطر على الحالات الخارجة عن السياق، والتي قد توصف بالإجرام.
مما تقدم كان القول الشائع: [ذبها برأس عالم واطلع منها سالم] !! غير مطلق الصحة، وفيه ما فيه من المآخذ.
وهذا الأصل مؤكدٌ بالقول الصحيح المعنى المنسوب للمصطفى - صلى الله عليه وسلم: {أُمِرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر} [2] .
(1) كشف الخفا ومزيل الإلباس للعجلوني - 1/ 124، الحديث 345، رواه: أحمد، والطبراني، وأبو يعلى، وأبو نعيم.
(2) قال السخَّاوي في المقاصد الحسنة:[اشتهر بين الأصوليين والفقهاء، بل وقع في شرح مسلم للنووي قوله - صلى الله عليه وسلم - .. إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشقُّ بطونهم، ما نصه معناه .. إني أمرت بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر كما قال - صلى الله عليه وسلم - .. انتهى. قال السخاوي: ولا وجود له في كتب الحديث المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة، وجزم العراقي بأنه لا أصل له ..
قلت / ومعناه صحيح، بل وترجم له النسائي في سننه [باب الحكم بالظاهر] ، وبالجملة فهو من الشيوع بمكان، إلا أن تخريجه على الأمهات، فيه خذ وهات، نعم .. استشهد بمثله الإمام الشافعي في الأم، وشاع على لسان أصحابه - كما نقل السخاوي -. راجع المقاصد - 110 الحديث 179