فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 58

إذن .. فهو الأنسب في الاستعمال من أي مصطلح غيره.

فالوقاية .. هي الحفظ والصيانة عن الأذى والضرر، وذلك بعد وجودهما فعلا، أو إمكان وجودهما في التوِّ واللحظة، فهو بحكم الموجود .. أما قوله تعالى: {فوقاهم الله شر ذلك اليوم .. } [1] وهو لم يقع بعد، فنقول فيه: إن شرور ذلك اليوم واقعة لا محالة، لصدق الشارع في إخباره جلَّ في علاه، فهو بحكم الواقع فعلًا، والوقاية - حينئذ - تكون بعد وقوع شروره.

فالوقاية إذن .. كالجُنّةِ التي يُتترس بها المقاتلِ من شر واقع .. أو: هو بحكم مسلم الوقوع، لان الجريمةَ مظنةُ تلف النفس في كل لحظة.

فمرحلة الوقاية .. تكون بعد وجود المحذور، ودور المتوقي الاحتماء، وهو عمل سلبي محض، يحمي به المرء نفسه دون اكتراث لبقاء أو زوال الحالة، فضلا عن عدم دلالتها على منع الوجود .. وهو المقصود.

فهي إذن لا تصلح في الدلالة على ما نريد - رغم شيوع استعمالها -.

أما المكافحة .. فهي: المواجهة - في أحد معانيها -.

والمواجهة: صيغة [مفاعلة] وهي تقتضي وجود الفعل من أكثر من واحد. فدورها يكون مع موجود أيضا .. يقول الشاعر الصوفي:

آنست في الحي نارًا ... ليلًا فبشرت أهلي

قلت امكثو فلعلي ... أجد هداي لعلي

دنوت منها فكانت ... نار المكلَّم قبلي

نوديت منها كفاحًا ... ردَّ لياليَ وصلي

و معنى [المكافحة] في المواجهة والملاقاة مطرّد - حتى في غير الإنسان - يقال .. تكافحت الكباش: تناطحت.

وتكافحت الأمواج: تلاطمت.

وقد تكون المكافحة من الفعل .. [كفح] ، تقول:

كفح الشيء كفحًا: كشف عنه غطاءه.

وكفح لجام الدابة: جذبه لتقف .. يقال: كفحها باللجام.

والكفيح: الكفء، والنظير.

والكفيح: الضيف المفاجيء. [2]

فعلى ما تقدم .. فإنَّ استعمال لفظ [المكافحة] في مثل بحوثنا غير دقيق، فهي تصدق على حالة [ظهور] الفعل المحظور، وبالتالي مواجهته من كفٍ نظير.

والواقع أن الإنسان لا تكافئه الجريمة، بل تفَوَّق على كثيرٍ غيرها، فما ظنك بها؟.

(1) الإنسان / 4.

(2) راجع في كلِّ ذلك المعجم الوسيط - 2/ 791.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت