وفي صحيح البخاري بطرق كثيرة عن انس وأبى هريرة ، وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة وحذيفة ، وفي مسند احمد عن انس وابن عباس واخرجه الحاكم عن ابن مسعود والطبراني عن عبادة بن الصامت وابن أبى شيبة عن سلمان ، والترمذي عن أبى هريرة ، وابو عوانة عن حذيفة عن أبي بكر حديث شفاعة النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة ، وهو حديث طويل فيه ان أهل الموقف يأتون الأنبياء واحدا بعد واحد يسألونهم الشفاعة عند الله ، وكلما اتوا نبيا وسألوه الشفاعة ، ردهم إلى من بعده واعتذر بشيء من عثراته حتى ينتهوا إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله فيجيبهم إلى مسألتهم وفي الحديث: انهم يأتون إبراهيم عليه السلام يطلبون منه ان يشفع لهم عند الله فيقول لهم: لست هناكم إنى كذبت ثلاث كذبات: قوله (انى سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وقوله لامرأته (أخبريه انى اخوك) .
والاعتبار الصحيح لا يوافق مضمون الحديثين كما ذكره بعض الباحثين إذ لو كان المراد بهما ان الأقاويل الثلاث التي وصفت فيهما أنها كذبات ليست كذبات حقيقية بل من قبيل التوريات والمعاريض البديعة كما ربما يلوح من بعض ألفاظ الحديث كالذي ورد في
بعض طرقه من قول النبي صلى الله عليه وآله: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله) وكذا قوله صلى الله عليه وآله: (مامنها كذبة إلا ما حل(1) بها عن دين الله) فما بال إبراهيم في حديث القيامة يعدها ذنوبا لنفسه ومانعة عن القيام بأمر الشفاعة ويعتذر بها عنها ؟ فإنها على هذا التقدير كانت من محنه في ذات الله وحسناته في الدين لو جاز لنبي من الأنبياء أن يكذب لمصلحة الدين لكنك قد عرفت في ما تقدم من مباحث النبوة في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن ذلك مما لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام قطعا لاستيجابه سلب الوثوق عن إخباراتهم وأحاديثهم من أصلها .