وهذا الزرع النامي، له أجل وله عمر يبلغ تمامه، ويستوفي أيامه، ثم يهيج فتراه مصفراً، وقد بلغ غايته المقدرة له، فينضج للحصاد، ثم يكون حطاماً، قد استوفى أجله، وأدى دوره، وأنهى دورته مطيعاً نافعاً، كما قدر له واهب الحياة سبحانه، وفي ذلك ذكرى لأولي الألباب والعقول.
وكما ينزل الله الماء من السماء، فيحيي به الأرض بعد موتها، وينبت للعباد به زرعاً مختلفاً ألوانه، كذلك ينزل سبحانه من السماء وحياً وذكراً تتلقاه القلوب الحية فتنفتح وتنشرح، وتغير به بإذن الله وجه الحياة البشرية، بأحسن الأخلاق، والآداب، والعبادات، والمعاملات، والمعاشرات.
وتتلقاه القلوب القاسية فلا تنتفع به، كما تتلقى الصخرة القاسية الماء فلا يؤثر
فيها: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) } [الزمر: 22] .
والله عزَّ وجلَّ عليم حكيم، يشرح للإسلام قلوباً يعلم منها الخير، فيصلها بنوره، فتشرق به وتستضيء.
أما القلوب القاسية فهي مظلمة جافة معتمة، لا تقبل الهدى وإن رأته وسمعته، كما لا يقبل الحجر الإنبات مع نزول المطر عليه.
فسبحان من أنزل من السماء الماء والهدى، وجعل من القلوب ما يقبل الهدى، ومنها ما لا يقبل، وجعل من الأرض ما يقبل الماء، ومنها ما لا يقبل، والله بكل شيء عليم، وبعباده خبير بصير.
ألا ما أجهل الإنسان بربه، وما أجهله بمخلوقاته، وما أجهله بنعمه؟.
هذه المياه الغزيرة المتوفرة في العالم من خلقها؟.
وهذه المياه التي يحملها السحاب من أنزلها من السماء؟.
وهذه المياة المجموعة في بطن السحاب من فرقها على الجبال والسهول والوهاد والبطاح؟.
ومن سيّرها في الأنهار؟ .. ومن فجّرها من العيون؟.
ومن ساقها شراباً عذباً للبهائم والأنعام، والناس والنبات؟
{أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) } [الواقعة: 68 - 70] .